أيها الشعرُ أنت مِنّيَ صوتٌ
ونداءٌ مُجلجلٌ من ضميري
كلُّ حرفٍ غذّيته من دمائي
وإبائي، وصغْتُه من شعوري
حمل الودَّ من فؤادٍ صدوقٍ
والأمانيَّ من سراجي المنيرِ
ما أقلَّتْ ضلوعُه غيرَ حبٍّ
مشرقٍ باسمٍ سميٍّ طهور
لاح كالنجم ثاقبًا في سمائي
وبكفّي كاللؤلؤ المنثور
وتهادى كزورقٍ في عبابٍ
وتراءى كالبدر في الديجور
وسما كالجناح في صفحة الأفْ
قِ طليقًا يجوب رحبَ الأثير
ما توانى رهنَ الصعاب ولكنْ
لاح في عزمه كأقوى النسور
عَلَمًا لاح في الذرى والأعالي
ما تلاقى بغير سحرٍ ونور
ما تلاقى بغير مجدٍ وفخرٍ
وثناءٍ وخالصِ التقدير
أنتَ يا شعرُ موكبٌ من شعاعٍ
ما دنا قطُّ من نفاقٍ وزُور
أنت مرآة خافقٍ يتجلّى
في سماء البيان مثل البدور
لم تكن غيرَ صورةٍ عن حياةٍ
فاقتِ الزهرَ بالشذا والعبير
ما انثنتْ عن إبائها عبر عمرٍ
عاش حربًا على الخنى والفجور
ما ارتضى غيرَ رفعةٍ ووقارٍ
وعلاءٍ وعزّة وحبور
أو درى الزيفَ لحظةً والدنايا
أو بدا للرّغاب كالمأسور
بان طولَ الحياة عن وهدة الذلْ
لِ، وعن كل خِسّةٍ وشرور
وبدا عابقًا كنشر الخزامى
بسجايا عزّت على التصوير
جعل الصِّدق دأبه طيلة العُمْ
رِ، وفيضُ العطاء خير أثير
قد غدا الحرف مشعلاً في يديه
ولأعماقه غدا كالسعير
أيها الشِّعرُ أنت للنفس روحٌ
ونوالٌ يُزري بجود البحور
منحةٌ أنت يا أحبَّ العطايا
وجمالٌ لا يلتقي من نظير
أنت ينبوع روعةٍ لا تُجارى
وفتونٍ بكل مجدٍ جدير
قد أقلَّتك كالجواهر نفسي
وغدوْتَ المشعَّ في تفكيري
لم أجد غيرَك الوفيَّ المرجّى
أينما كنتَ يا أعزَّ عشير
أنتَ لي في الفؤاد خفقةُ وُدٍّ
ونضارٍ ولؤلؤ في السطور
مثلما أنت للكرامة رمزٌ
ومن اليأس ناصري ومجيري
لم تكن كالصحاب تغرب عني
أو أرى منك أبسطَ التقصير
فالوفاء الكريم ما حاد يومًا
عن قوافيك في الأسى والسرور
أنت حُقُّ العطور يا حبةَ القَلْ
بِ وراحي وجنّتي ونَميري