أقصِرْ خفوقَكَ أيها القلبُ
لا الدارُ دانيةٌ ولا الصحبُ
ماذا أصبتَ وأنتَ مغتربٌ
إلاّ جروحًا ما لها طبّ؟
كم بتَّ ترعى النجمَ منفردًا
وإلى مغاني زحلةٍ تصبو
كم قلتَ في لبنانَ قافيةً
زادت جواكَ فمسّكَ الكرب
فمنَ المحابرِ للنّهى دررٌ
ومن المحاجر لؤلؤٌ رطب
أفنيتَ زاهي العمرِ في بلدٍ
قفرٍ يذوب بحرّه الضبّ
نفسٌ ينوء بعبئها جسدٌ
بادي العظامِ مُصوَّحٌ صلب
والدهرُ سلَّ عليكَ صارمَه
ومِجنُّكَ الأقلامُ والكُتْب
هلاّ أتيتَ الدارَ يقطنها
أبواكَ من أضنتْهما الحقب
شيخان في قلبيهما لهبٌ
ومن الجفون الدمعُ ينصبّ
هلاّ رأيتَ حنانَ والدةٍ
وحنينَ أختٍ لفظُها عذب
من مثلُ والدتي إذا ذُكرتْ
فبذكرها يُستَسهل الصعب
أهلاً بها! جاءت تعانقني
عند المنامِ ودوننا حُجْب
فكأن سلك الكهرباءِ جرى
ما بيننا والجاذبُ الحبّ
يا للحنان حنانِ والدةٍ
قد حار في تعريفه اللبّ
الأمُّ لفظٌ شائقٌ عذبُ
بل خيرُ معنًى ضمّه القلب
هي منبعُ السلوانِ مذ خُلقتْ
لا البحرُ يجهلها ولا الترب
هي روحُ إخلاصٍ وتعزيةٌ
وحقيقةٌ ما شابها كذب
إن تخبُ نيرانُ البنينَ فلي
نارٌ بحبّ الأمِّ لا تخبو
وإذا زمانُكَ ثار ثائرُه
وافاكَ خطبٌ بعده خطب
كنّا الثريّا في تَجمّعنا
والعيشُ داني المجتنى عذب
فانحلَّ عِقدُ الشملِ منتثرًا
بيد النوى وتبدَّدَ الحبّ
هذا حليفُ السُّهد ظلّله
شرقٌ وذاك أظلّه غرب
والدمعُ واهي السلكِ منسكبٌ
فوق الخدودِ كما بكتْ سُحْب
لي من هوى أهلي ووالدتي
داءٌ جلاه شاعرٌ صَبّ
وإذا المحبُّ صفتْ سرائرُه
لم يشفِه بُعدٌ ولا قُرب
لكنّما في القرب لي أربٌ
فاجمعْ نجومَ الدارِ يا ربّ!