أُمِّي رَحِيْلُكِ كَيْفَ يُحْتَمَلُ؟
وجِرَاحُ فَقْدِكِ كَيْفَ تَنْدَمِلُ؟
قَانِي دُمُوْعِي بَوْحُ أَوْرِدَةٍ
فِي جَوفِهَا الْأَحْزَانُ تَشْتَعِلُ
مِلْيُوْنُ عَيْنٍ لَوْ بَكَيْتُ بِهَا
مَا جَفَّ دَمْعُ جَوَارِحِي الْهَطِلُ
آهٍ مِنَ الْأَكْفَانِ كَمْ طُفِئَتْ
فِيْهَا مَشَاعِرُ مَا لَهَا بَدَلُ
وارَيْتِ يَا أَكْفَانُ عَاطِفَةً
فِيْهَا التَّفَانِي لَيْسَ يُبْتَذَلُ
مَنْ لِي بِقَلْبٍ فِي ابْتِسَامَتِهِ
وهْجُ الْمَشَاعِرِ لَيْسَ يُفْتَعَلُ
وبِهِ مَنَابِعُ فِي اسْتِدَامَتِهَا
سَقْيَ الْمَوَدَّةِ مَا لَهَا مَثَلُ
وبِهِ حَنَانٌ لَيْسَ يُشْبِعُنِي
مِنْ بَحْرِهِ عَلٌّ وَلَا نَهَلُ
مَنْ لِي بِأَحْضَانٍ تُدَفِّئُنِي
فِيْهَا اسْتَحَالَ الْغِشُّ وَالدَّجَلُ
لِلَّهِ قَلْبٌ كَانَ يَمْلِكُنِي
ولَهُ التَّذَلُّلُ مَا بِهِ زَلَلُ
فِي النَّعْشِ قَلْبٌ كُنْتُ أَسْكُنُهُ
فَيَفُوحُ فِي نَبَضَاتِهِ الْجَذَلُ
شَمْسُ الْمُنَى بِرَحِيْلِكِ انْطَفَأَتْ
ورَمَادُهَا ضَاقَتْ بِهِ السُّبُلُ
أَحْلَامُنَا كَانَتْ مُنَاصَفَةً
هَلْ دُوْنَكِ الْأَنْصَافُ تَكْتَمِلُ؟
أَنْصَافُ أَحْلَامِي الَّتِي بَقِيَتْ
مُنْذُ ارْتَحَلْتِ أَصَابَهَا الشَّلَلُ
أَنْصَافُ أَحْلَامٍ تُلَازِمُنِي
لِأَظَلَّ بِالْأَوْهَامِ أَحْتَفِلُ
صَعْبٌ مَسِيْرِي قَيْدَ أَنْمُلَةٍ
وأَنَا بِشَوْكِ الْأَرْضِ مُنْتَعِلُ
ويْلِي مِنَ الذِّكْرَى أُشَاهِدُهَا
صِوَرًا تَهِيْمُ بِسِحْرِهَا الْمُقَلُ
صِوَرًا لَهَا الْأَشْوَاقُ تَأْخُذُنِي
ومِنَ الْحَنِيْنِ أَكَادُ أَخْتَبِلُ
صِوَرًا أَشَابَتْنِي وَقَدْ وَقَفَتْ
عِنْدَ الشَّبَابِ فَلَيْسَ تَكْتَهِلُ
صِوَرًا بِوِجْدَانِي قَدِ انْطَبَعَتْ
فِيْهَا جَمِيعُ الْعُمْرِ يُخْتَذَلُ
وكَأَنَّهَا لِبَهَاءِ رَوْنَقِهَا
مِنْ أَجْمَلِ اللَّحَظَاتِ تُنْتَخَلُ
كَمْ سِرْتُ وَالذِّكْرَى تُرَنِّحُنِي
بَيْنَ الْقُبُوْرِ كَأَنَّنِي ثَمِلُ
ذِكْرَى يُغَادِرُنِي تَجَدُّدُهَا
مَعَ جَحْفَلِ الْأَحْزَانِ أَقْتَتِلُ
الذِّكْرَيَاتُ تَشُدُّنِي يَدُهَا
ومِنَ الْعَسِيْرِ عَلَيَّ أَنْفَتِلُ
الذِّكْرَيَاتُ تَهُبُّ عَاصِفِةً
وتَطِيْرُ بِي مَعَهَا فَأَمْتَثِلُ
زَمَنٌ تَبَخَّرَ شَهْدُهُ مَعَهُ
رُوْحِي تُنَادِيْهِ فَمَا الْعَمَلُ؟
زَمَنٌ تَبَقَّى عِطْرُهُ مَعَنَا
لِيَعِيْشَ فِيْنَا فَقْدُهُ الْجَلَلُ
زَمَنٌ وَصَايَاهُ تُحَرِّكُنَا
لِتَقُوْدَنَا الْأَخْلَاقُ وَالْمُثُلُ
شَجَرُ الْحَنِيْنِ نَمَا بِأَوْرِدَتِي
حَتَّى اسْتَظَلَّ بِغُصْنِهِ الْجَبَلُ
كَمْ مَوْقِفٍ كُنْتِ الْأَمَانَ لَهُ
فَاحْتَلَّهُ مِنْ بَعْدِكِ الْوَجَلُ
حُمِلَتْ بِنَعْشِكِ حِكْمَةٌ مَعَهَا
كُلُّ اعْوِجَاجٍ كَانَ يَعْتَدِلُ
وفَقَدْتُ تَزْمِيْلِي بِأَدْعِيَةٍ
مِنْهَا يَفُوْحُ الْفَأْلُ وَالأَمَلُ
قَلْبِي الَّذِي بِكِ كَانَ مُبْتَسِمًا
نَاءَتْ بِخَدْشِ عُبُوسِهِ الْحِيَلُ
كَيْفَ ابْتِسَامَاتِي سَتَعْرِفُنِي
وأَنَا لَدَى الْأَحْزَانِ مُعْتَقَلُ
حَتَّى النَّجَاحُ يَجِيْءُ ناضِجُهُ
مُرَّ الْمَذَاقِ كَأَنَّهُ فَشَلُ
زَمَنِي الَّذِي بِكِ كُنْتُ أَعْشَقُهُ
قَدْ بَاتَ يَعْصِرُنِي بِهِ الْمَلَلُ
زَمَنِي الَّذِي بِكِ كَانَ فِي سَعَةٍ
أَمْسَى بِضِيْقٍ لَيْسَ يُحْتَمَلُ
أَخَذَ ارْتِحَالُكِ رَاحَتِي مَعَهُ
وبَقِيْتُ بِالْأَرْزَاءِ أَشْتَمِلُ
بَعْدَ التَّشَاغُلِ عَنْ مُحَارَبَتِي
بِي صَارَتِ الْأَيَّامُ تَنْشَغِلُ
مَا لِلَّيَالِي نَوْمُهَا عَسِرٌ
ومِنَ السُّهَادِ تَكَادُ تَنْجَدِلُ
كَيْفَ اللَّيَالِي النَّوْمُ يَطْرُقُهَا
وعُيُوْنُهَا بِالْهَمِّ تَكْتَحِلُ
حَتَّى رِثَاؤُكِ حِيْنَ أَكْتُبُهُ
تَبْكِي بِهِ الْكَلِمَاتُ وَالْجُمَلُ
سَيَظَلُّ فَقْدُكِ دَائِمًا نَبَأً
زِلْزَالُهُ مَا لِي بِهِ قِبَلُ
خَتَمَتْ بِكِ الدُّنْيَا فَجَائِعَهَا
مَا عَادَ بَعْدَكِ حَادِثٌ جَلَلُ
دَفَنَتْ بِكِ الدُّنْيَا مُحَاذَرَتِي
ومِنَ الزَّمَانِ تَحَطَّمَ الْوَجَلُ
يَشْكُوْ مُصَلَّاكِ الْحَنِيْنَ مَعِي
ويُثِيْرُ شَجْوِي جَفْنُهُ الْخَضِلُ
فَيَبِيْتُ دَمْعُ الْقَلْبِ يَغْسِلُهُ
وتَكَادُ تَمْحُوْ رَسْمَهُ الْقُبَلُ
أَمْسَى مُصَلَّاكِ الْمَلَاذَ إِذَا
مَا هَبَّتِ الْأَوجَاعُ تَعْتَمِلُ
فِيْهِ صَفَاءُ النَّفْسِ يَغْمُرُنِي
فَأَكَادُ عَنْ دُنْيَايَ أَنْفَصِلُ
كَمْ غُصَّةٍ تُلْغِي مَوَاعِدَهَا
ومَرَارَةٍ فِي الْحَلْقِ تَرْتَحِلُ
حُرَقُ الْأَسَى تَنْسَى مُطَارَدَتِي
وسَتَائِرُ الْأَنَّاتِ تَنْسَدِلُ
وصَدَى الرُّقَى يَأْتِي لِيُخْبِرَنِي
كَمْ خِفْتِ أَنْ تَغْتَالَنِي الْغِيَلُ
فَلَبِسْتُ مِنْ تِلْكَ الرُّقَى حُلَلاً
هِيَ فِي اعْتِقَادِي الْبِيْضُ وَالْأَسَلُ
لَكِ تَطْلُبُ الرَّحَمَاتِ أَدْعِيَةٌ
سَتَظَلُّ طُوْلَ الْعُمْرِ تَبْتَهِلُ
لَكِ صَارَتِ الدَّعَوَاتُ أُغْنِيَةً
تَشْدُوْ بِهَا الْأَسْحَارُ وَالْأُصُلُ
صَارَ الدُّعَاءُ أَهَمَّ أَسْلِحَتِي
وعَلَى الْإِجَابَةِ صِرْتُ أَتَّكِلُ
أَخْفَى تُرَابُ الْقَبْرِ جَوْهَرَةً
مَا فِي تَبَاهِيْهِ بِهَا عَذَلُ
أَخْفَى فَضَائِلَ عِطْرُهَا عَبِقٌ
مَا فِي تَحَدُّثِهِ بِهَا خَطَلُ
أَنْهَى الرَّحِيْلُ فُصُوْلَ مَلْحَمَةٍ
مَا فِي جَلَالَةِ قَدْرِهَا جَدَلُ
كَمْ فِي فِرَاشِكِ بِتُّ مُعْتَقِدًا
رُوْحِي بِرُوْحِكِ سَوْفَ تَتَّصِلُ
فَأَرَكِ نُورًا جَاءَ يَأْخُذُنِي
وأَنَا بِسِحْرِ الْأَخْذِ مُنْذَهِلُ
وأَرَاكِ أَطْيَافًا أُحَدِّثُهَا
وأَنَا مَعَ الْأَشْوَاقِ مُنْفَعِلُ
تُهْدِيْكِ أَشْعَارِي تَحِيَّتَهَا
فَإِلَيْكِ هَذَا الشِّعْرُ هَلْ يَصِلُ؟
أَنَا بِارْتِحَالِكِ صِرْتُ مُرْتَحِلاً
كَيْفَ انْتَقَلْتِ وَلَسْتُ أَنْتَقِلُ؟!
أُمِّي رَحِيْلُكِ مِنْ عَجَائِبِهِ
أَنِّي بَقِيْتُ وَظَلَّ لِي أَجَلُ
هَذَا حُطَامِي لَيْسَ يَعْرِفُنِي
إِلَّا مِنَ الزَّفَرَاتِ تَنْهَمِلُ
مَا عَادَتِ الْمِرْآةُ تُبْصِرُنِي
إِلَّا وَتُجْزِمُ أَنَّنِي طَلَلُ
كَمْ صَارَتِ الْمِرْآةُ تُزْعِجُنِي
بِسُؤَالِهَا: مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟
يَا قَلْبُ مَلَّ الْحُزْنُ صُحْبَتَنَا
فَمَتَى مِنَ الْأَحْزَانِ نَغْتَسِلُ؟
فَعَسَاكَ تَكْتُبُ قِصَّةً عَجَبًا
فِيْهَا جَمِيْلُ عَزَائِكَ الْبَطَلُ
مَا رَدَّتِ الْحَاجَاتُ خَاطِبَهَا
إِلَّا وَفِيْهِ يَكْمُنُ الْخَلَلُ
إِنْ كَانَ جُرْحُكَ نَازِفًا أَبَدًا
فَمَتَى بِرَبِّكَ سَوْفَ يَنْدَمِلُ؟
لَوْ كُنْتَ تَلْتَحِفُ التَّصَبُّرَ مَا
صَبَّتْ عَلَيْكَ سِيَاطَهَا الْعِلَلُ