وُلِدتُ في بَلدٍ يَبيعُ الرُّوحَ في السُّوقِ الكَبيرْ
يُعَلِّقُ أحلامَ الفُقراءِ على حِبالِ المَشانِقْ،
ويَسكُبُ الدَّمَ في كُؤوسِ الأعيادِ
كأنَّهُ خَمرُ الأميرْ.
في بَلدي…
تَحيا الكَلِمَةُ المَشنوقَةُ على شَفَةِ الشَّريفْ،
ويُرفَعُ الجاهِلُ المَأجورُ،
يُعطى مِفتاحَ البِوّابَةِ،
ويُمنَحُ عِقدَ الوَزيرْ.
في بَلدي…
يُصبِحُ الفَقيرُ غُبارًا في مَمَرّاتِ القُصورْ،
يُداسُ كما يُداسُ الرَّبيعُ تحتَ أقدامِ الجَنودْ،
يُختَزَلُ في صُورةٍ على وَرَقٍ مُمزَّقٍ،
أو يُحشَرُ في زاوِيَةِ نَشرةٍ أخبارِيَّةٍ
ثُمَّ يُمحَى كالأَساطيرْ.
يا وَطني…
مَتى تُفيقُ من سُباتِكَ الطَّويلْ؟
مَتى تَكسِرُ قُيودَكَ كَسَحابَةٍ ثَائِرَةٍ
تَشقُّ صَدرَ السَّماءِ،
وتَسكُبُ البَرقَ على صُدورِ العُيُونِ الغَافِلَة؟
في بَلدي…
الحُلمُ يُباعُ مِثلَ الخُبزِ اليابِسْ،
والعَدالةُ تُباعُ في مَزادٍ سِرِّيٍّ،
مَن يَدفَعُ أكثَرْ يَحصُلُ على التَّاريخِ المُزيَّفِ،
ويَكتُبُ نَحنُ المَسحوقينَ في الهَوامِشْ.
أرَى الأَرضَ – يا صَديقي –
تَبكِي كَأُمٍّ تُنتَزَعُ مِن صَدرِها الطُّفولَة،
أسمَعُ الجِبالَ تَصرُخُ في صَمتٍ:
"كُفُّوا أيادِيَكُم عن صُدورِنا،
فَقد تَعِبنا مِن حَملِ تِيجانِكُم الصَّدِئَة!"
في بَلدي…
لا حُرِّيَةَ تَسكُنُ النُّفوسَ،
بَل سَلاسِلٌ تُزيَّنُ كالأَساوِرِ في مَعرِضٍ باذِخْ،
لا صَوتَ يَرتَفِعُ إلّا إذا كانَ بُوقًا لِحَاكِمْ،
ولا قَلمَ يَنطِقُ إلّا إذا كَتَبَ مَديحًا لِظِلٍّ مُعتِمْ.
لكنّي…
سَأصرُخُ – ولو مِن ثُقبِ الإبَرَة –
كَي يَعلَمَ الجِيلُ الجَديدْ،
أنَّنا كُنّا نَحملُ فِي صُدورِنا نارًا،
تُضيءُ الطَّريقَ – وإن طالَ اللَّيلْ –
وتَزرَعُ في الحَجَرِ وَردًا،
وفي الرَّمادِ أُغنِيَةً
تُعلِنُ أنَّ الحَياةَ…
لا تُهدَى، بَل تُنتَزَعُ انتِزاعًا!
يا أَرضي…
كم بَكَيتِ حتّى غَسَلتِ عُيُونَكِ بِالمِلحْ؟
كم حَمَلتِ مِن أَثقالٍ حتّى تَشَقَّقَتْ جِبالُكِ كَظَهرِ عَجوزْ؟
سَمِعتُكِ تُنادينَ:
"كُفّوا أيادِيَكُم عن صَدرِي!
قَد تَعِبتُ مِن أَن أَكونَ سَريرًا لِمَآسِيكُم،
قَد تَعِبتُ مِن حَملِ تِيجانِكُم الصَّدِئَة."
كُنتِ يا أَرضي جَنَّةً خَضراء،
فَجَعَلُوكِ حَقلًا مِن الرَّمادْ.
كُنتِ أُمًّا تُرضِعُ الأَنهار،
فَجَعَلُوكِ ثَدْيًا يَنزِفُ دَمًا،
وصَدرًا يُرضِعُ الغُبارْ.
لكنّي…
سَأزرَعُ في الحَجَرِ وَردَة،
وفي السِّياطِ أُغنِيَة،
وسَأكتُبُ على الجُدرانِ:
"الحَياةُ لا تُهدَى… بَل تُنتَزَعُ انتِزاعًا."
سَأُخبِرُ الجِيلَ الجَديدْ:
أنَّنا لَم نَمُتْ،
بَل تَحوَّلنا إلى نارٍ في العُيونِ،
تَشتَعِلُ في اللَّيلِ كَالبُرقْ،
وتُضيءُ الطَّريقَ لِمَن يَأتُونَ بَعدَنا.
سَأُخبِرُهُم…
أنَّ القَيدَ لَيسَ أَبَدِيًّا،
وأنَّ الطُّغاةَ – مَهما بَلَغُوا –
أَضعَفُ مِن صَوتِ شُعاعٍ يَشقُّ صَدرَ الظَّلامْ.
يا وَطَني…
مَهما أَحاطوكَ بِالأَسوَار،
سَيبقَى فيكَ نَهرٌ يُريدُ أَن يَجرِي،
سَيبقَى فيكَ حُلمٌ يَرفَعُ الجِباهْ،
سَيبقَى فيكَ صَوتٌ يَقولُ:
"سَنَنتَصِرْ… سَنَنتَصِرْ… سَنَنتَصِرْ!"