جلستْ جواري أسرة من سبعةٍ
يرنون لي بتبسّم وتجَمُّلِ
بالذات أمّهمِ تحدثهمْ على
عجَبٍ كأني من مَدينةِ هِرْقِل
لِمَ ينظرون إليّ نظرة رحمة؟
متأكد من أنني لم أسعُلِ...؟
أ تُراي في حلم أنا أم واقعٍ
متأكد من أنني لم أثملِ؟
أنا ما شربت الخمر إلا مرة
وبصقتُه ولداخلي لم يَدْخُلِ..
من ريحِهِ أنا كدت أفقد شهوتي
للعيش إن الخمر سمُّ المقتل
للخمر والدخّان أسوأ ريحة
يستجلبان السِّلَّ للدنيا ولي
لِمَ ينظرون إذاً إليّ بدهشة
هل قد نسِيتُ المشط فوق مُهَدَّل؟
مَسَّتْ يدي رأسي بأقصى ريبة
وعرفْتُه بالمشط لم يتكلّلِ
فذكَرْتُ زوجاً قد أسرّ لزوجهِ:
لم ألقَ مِن أحد لوجهكِ يَجْتلي
أعني بذلك أنتِ لست جميلةً
لو كنتِ حقاً قد أغارُ بأكملي
فدَعَتْه أن يمشي بعيداً خلفها
فرأى المَلَا ترنو لها كَسَجَنْجَلِ
متعجباً لم يدْرِ أنَّ لسانَها
كانت تمدّه عاليا ولأسفلِ
أدركتُ أني قد فعلتُ مثيلها
وعليّ خِلْتُ الوهم دوماً ينطلي
أدركتُ ثغري كان مفتوحاً شدَا
بالشعر تخرج منه بعض الأوعُلِ
أنا ساحرٌ من نفس ثغري مُخرِجٌ
قططاً وأثوابا ومرجَ قَرَنْفُلِ..
لا بد أن الجاذبيّة تنجلي
لمّا المواهبُ في المؤلف تغتلي
استأذنتْ من زوجها وبناتها
وأتت إليَّ بفرحة وتهلّل
مكثَ الصغار هناك دون جلوسهم
معنا وكانوا مثل حقل السنبلِ
سألتْ: أ خالدُ أنتَ قلتُ: بلى اْبنتي
من أنتِ؟ نادِي الأهلَ ثم تفضلي
نادت أجابوا: سوف نأتي أمَّنا
لمّا يعود أبي بطوق قرَنْفُل..
هل أنت تذكرني؟ فحصتُ سِماتها
فأجبتُها: كلا، ولكن أجتلِي
أ وَ لستَ تذكر يوم جئتَ لخطبتي
مع أختك الميمونِ ذات المُخْمل؟
محبوبتي رسّامتي أنت التي
تدرين نسْجَ الوجه رغم ترهُّل؟
أنا كيف أنسى شاعراً متألقا؟
حيّاكِ ربكِ يا فتاةَ الجندلي
إن القواسم بيننا ظهرت على
أولادنا بالرسم والشعر الجلي
ما الشكل وحده دلّني بل همسةٌ
من دمدمات الشِّعر شدّتْ كلكلي
لفتَ انتباهي حالةٌ شعريّة
ورأيتُ صاحبها أثار تخيّلي
وإذا به هو أنت نفسك سيدي
مَن كنت تطربنا بشعر مذهل
يأتي من الأعماق يصنع غيمة
في الجو تروي الروح دون تبخُّلِ
شِعرٌ سقى الدنيا بمعنىً صادقٍ
أسرى بمنحى الشعر نحو الأفضلِ
يا مَن جعلتَ الكون شعراً خالدا
أنا مِن قصيدك فِيّ طرتُ كبلبلِ
الله أغناني بوعي خارق
حتى أغوص بمجدكَ المتغلغل
أذنان واعيتان لي كهدية
من خالقي لسماع إبداعٍ عَلِي
يا جارَ سطح البيت ما زال الهوى
بالأوكسجين يغيث صدري المغتلي
لم تفتأ الذكرى تدق مشاعري
وتعيد أنظاري إلى الماضي الخَلِي
أنا كنت أسمع من ديارك نغمة
لم أستمع كمثيلها مذْ كنتَ لي
بالفن تأرج في هُيام صادق
فتضيىء أجواء الدجى كالمشعلِ
ولديك وِجدانٌ طهورٌ مخلص
تنساب إعطاءاته كالجدول
ولديك همسٌ شاعريّ ساحرٌ
كمخدِّر يسري بعمق الهيكل
لم ألقَ مخلوقاً تَجَسّد شخصُه
شعرا تماماً غير أنت فهلّلِ..
من أين أنت جلبتِ كل حقائقي
من نصف قرن لم أجدك بموئلي؟
عصفورة قد أخبرتني كل ذا
حقا كما تروين لم أتبدلِ
أرجوك قولي ما عرفتِ وفصَّلي
سأضيف ما أدريه وهو كما يلي:
عدد الدواوين التي ألّفتَها
تدنو من المائتين؟ أم لم تفعل؟
حقا دواويني أركّز طبعها
جنباً لجنب مِفصلاً في مفصل
وأعدّ واحدهم يساوي خمسة
في العصر هذا لا الزمان الأولِ
أُجْري ألوف قصائدٍ مرصوصة
بين السطور كما نسيجِ المُنْخُلِ
هم يتركون مسافة فضفاضة
حتى يغشُّوا الناس باْسمِ الأجملِ
صارت دواويني توازي كل ما
قد أنتجوه في الزمان الأحولِ
إني عرفتك ثروة قومية
ستطوّر الدنيا إذا لم تُهمَلِ
لا بد يأتي دارس مستشرق
ويحيلُ شِعرك كلَّه كمُدَوّل
حقا ولكنْ بعد حذفي نصفَهُ
وخضوعِهِ لتفحّص وتغربُلِ
أنا لا أحب إلى الورى تقديمَهُ
إلا إذا نخّلتُه بالمنخُل
أنا كنت أطبعه بكل تعجل
للنور خيرٌ من مصيرٍ مُسْدَلِ..
لو لستُ أطبعه ومتُّ بسرعة
سيكونُ شعري ما له مِن مُكْمِلِ
أي كل ما أنتجتُه أعددتُهُ
كمسوّداتٍ بعدها لن أأتلي
ولأجل أن أدري حقيقة موقعي
فتمحَّصي واستخلِصي ثم اعدلي
ما كنت أعرف أن تأثيرى ارتقى
للأوج هذا عند جارةِ منزلي
إني رهنت مشاعري ومصالحي
حتى أمدّ الصاعدين إلى علِ
إني أنا المسؤول عبْر كتابتي
عن هدْيِ شعبٍ للعلا مستبسلِ
ستكون كل قصائدي منسيّةً
إنْ لم أطوّرها وإنْ لم أصقُلِ
المشكلات فحولتي لا تنتهي
ما إنْ أنقّحُها أجىء بأفحَلِ..
تنقيحها كالسير في وحلٍ فما
إنْ أنتهي يأتي الجديد بأوحَلِ
ما صحتي تكفي لشعر سابق
ولحاضر يا جارتي ولمُقبِل
وأحسّ في مخي انفجارا قادماً
أصبحتُ كهلا دمتِ لم تتكهلِي
اِرْنِي لمن إنتاجه متواصل
متكوّمٌ مثل الجبال الذبّل
الشعر يُنسيني أحَسِّن هيئتي
والشعر يجعلني كأهزل هيكلِ
إن تستطيعي أنت غربلة له
أمنَحْك جائزة وأرجوكِ اْفعلي
ولرب تعليق يحسّنُ همة
ويقود صاحبها لأرفع منزل
يا حبذا لولا كثيرُ شواغلي
وضخامةُ الإنتاج فوق تحمّلي..
ناهيك عن أني بأدنى مستوى
قُدّام عملاق يحلّق في العلِي
ما إن أتاني الأكل قلتُ لها: كُلي
أكلتْ قليلا وهي تشكر مأكلي
والزوج جاء ببسمة خلابة
ويدٍ تصافحني بوُدٍّ مُجْزِل
هذا كما أسلفتُ أعظم شاعر
جاري العزيزُ وخاطبٌ لم يُكْمِلِ
اجلس عَلِيُّ بجانبي ولتستمع
لحديث شاعرنا الأديب الفطحل
مولات ما أنا أستحق المدح ذا
وأحِسّ إني غارقٌ في الجدول..
أنا لا أحب أكون أفضل شاعر
لكنْ أناضل مثلهم للأمثَلِ
سترينني قزما إذا ما قورنتْ
كتبي بغيري يا صديقة فانزلي..
أنا ما قرأت سوى لبعض فطاحل
ولأجل هذا لم أحقق مأملي
ضيعتُ عمري لست أقرأ غير ما
فرضتْ عليّ الجامعات لأعتلي
ضيعت عمري لست أقرأ غير ما
أنا كاتب أجترّه كالمأكل
إني لأخشى أن أسمى شاعراً
إلا لنفسي فاحكمي وتخيّلي
لو أنت كنتِ قرأت غيري تجعلي
ن مكانتي يا جارتي في الأسفل
إن اختصاصي الرسمُ والآدابُ هل
لكَ فوق هذا الطول أي مُطوِّل؟
أنا لست أرضى بالغرور يمسّني
وأدُعّ كل تكبّر متسلِّلِ..
أنا لا أحب الظن يسكن خافقي
وعليَّ أي مدائح لا تنطلي
أنا خالد المظلومُ ظالمُ نفسِهِ
لتبلد في مخه وتعطُّلِ
أنا خالد المظلومُ ظالمُ نفسه
لم يطّلعْ لم يكتشف أين الحُلي
متفوق أنا يا وداد على أنا
بالرغم من هذا فؤادك رقّ لي
هدفي من الأشعار ليس لشهرة
لكن لأمضي بالشعوب لأفضلِ
إنَّ الحقيقةَ أنت أكبر فطحل
مهما تحاولْ أن تكون مُضلّلي
أ أطلتُ يا زوجي عليه بمدحه؟
بل رائعٌ ذا لا أباْ لك – طَوِّلي
ما كنت أحسبني أدمدم هادئاً
لمّا أخطّ كتابتي بالأنمُل
ويكون صوتي خالباً ذا نبرة
لا أستطيع أجيدها في المحفِل
فإذاً عرفتُ السِّر في نظرات مَن
نظروا إليَّ جميعهم بتطفل
الشعر يأكل جُلَّ وقتي والحِجَى
هذي طبيعة مَن بفنه مبْتَلِ
هي نفسها مَن والدي وشقيقتي
ذهبَاْ لخطبتها ولم أتقبّل
أيام عهد مراهقاتي والهوى
أيّام كان الكبْتُ مثل المِرجلِ
أسْرَرْتُ في نفسي: رفضتُ زواجها
من أجل ثدييها بحجم الدُّمَّل
إني امرؤ أهوى التي في صدرها
ثديَانِ مكتنزَان مثل الأجبُل
واليوم مثل جبال نجدٍ والهَدا
والحجمُ كان مُنَفّري ومعطّلي
لم أدْرِ أن الحجم كان لِسِنِّها ال
صغرى وأحيا العمر نصفَ مُغفّلِ
والحب لم يكبرْ كثيرا بيننا
فارقتُ حيَّ الحُب دون تأهُّلي..
فلْيهْنِهَا الرحمن مع أولادها
في خير حال دون أدنى مُشْكلِ
سبحان ربي جامعاً لشتاتنا
حتى أحدثها بدون تغزل:
لو كنت أعرف أن صدرك هكذا
سيصير.. لم أُحْجِمْ ولم أتنصَّلِ
لكنّ ربي اللهَ سجّلَ هكذا
أرزاقَنا وزواجَنا بِمُسَجِّل
يا خالدُ المظلوم يا أحلى أخ:
أهوى قريني المجتبى الغالي عَلِي
هو زاد عنك بعزمهِ وجمالِهِ
ولديه أيضاً ضِعْفُ طولك فاخجلِ
أنا مَن أنا إلا حثالة أمتي
يا زهرة نبتت بجانب منزلي..
مزحاتها حزّتْ بعمق سريرتي
أخذتْ مواقعَ عقدةٍ وتوَلْوُلِ
حقا أنا للمزح غير مؤهَّلٍ
حقا أنا في النقد شِبهُ مكَبَّل
حقا كما زوجي تقول وترتجي
توسيعَ صدري والحقيقة تنجلي
جرحتْ أحاسيسي بأن قرينها
أقوى وذاك القدح فوق تحمّلي
قد أخجلتْني في الحقيقة قبل أن
تمْلي عليّ بمزحها: هيا اخجلِ
أنا غاضب أسِفٌ عليها هكذا
قلبي أنا الحساس لم يتقبّل
ونسيت كل المدح أذكر قدحها
من قال إني بارد بعد الغلِي؟
سبحان ربي، زوجها إذ ضمّني
وكأنني قبّلتُ سُلّمَ صندَلِ
وبدوتُ مثل الصِّفْر تحت جناحه
وهمستُ ما شا اللهُ هذا المجْدلي
قد أقسم الزوج الفهيم أزورهم
وأجبتُه: حتماً إذا لم أُقتَلِ..
ودّعتهم وشعرت أني لم أزل
أحوي بقايا ذكريات المشتلِ
ودّعتُهم وسعادة بتعاستي
فإلى متى سأعيش رهن ترحّل؟
إني أمثل كل شعبي بالأسى
أنا أسفل الدنيا ولم أتبدّلِ
سبحان ربي إنها هي نفسُها
وفدتْ إليّ بوجهها المتهلل
قد ميّزتْني رغم طول فراقنا
منذ الطفولة وهي ناعمة الحُلي
أولادها معها وهم في عمرها
أيام كنا في الطفولة نختلي