يُطيلُ الليلُ في عينيَّ سَهْدًا
وفي أعماقِ ذاكرتي هُمومُ
وأسمعُ في الممرّاتِ ارتجاعًا
لخُطوٍ كانَ يتبعهُ النعيمُ
فألتفتُ التفاتَ القلبِ حتّى
كأنّي في التوجّسِ مستهيمُ
كأنَّ الروحَ بعدَ النأيِ دارٌ
تداعى ركنُها، وخبا النعيمُ
أمرُّ على المقاعدِ وهي صرعى
وفي جنباتِها وجعٌ مقيمُ
وأبقى واجمًا، وكأنَّ صدري
على بابِ الترقّبِ لا يريمُ
إذا هبَّ المساءُ شعرتُ أنّي
أطاردُ في العيونِ ما لا يدومُ
وأنَّ الطرفَ يعرفُ ألفَ سرٍّ
إذا خرسَ الكلامُ وما يزولُ
أحادثُ ظِلّيَ الملقى طويلًا
كأنَّ الظلَّ من وجدي خصيمُ
وأجمعُ من شتاتِ الضوءِ وجهًا
يطلُّ ولا يطيلُ بهِ المقامُ
فما بالُ المرايا كلَّ حينٍ
تراني شاحبَ القسماتِ أُومُ؟
وما بالُ الأماكنِ وهي حولي
إذا مرَّ السكونُ بها تَهيمُ؟
كأنَّ الضحكَ كانَ هنا صباحًا
فخلّفَ في الزوايا ما يُقيمُ
وأنَّ الصوتَ لمّا غابَ عنّي
أصابَ الروحَ منهُ ما يَصومُ
أجرُّ خُطايَ في الطرقاتِ وحدي
وفي كفّي من الذكرى جحيمُ
وأصغي للخطى، فأكادُ أدنو
ويخذلني من الظنِّ الوُهومُ
إذا نامَ الورى سهرتُ حتّى
كأنَّ الليلَ في عينيَّ يومُ
أرى الأشياءَ ناقصةَ المعاني
وفي أطوائِها حزنٌ عظيمُ
فلا النسيانُ يرحمُ ما تبقّى
ولا سلوانُ هذا القلبِ يَسْلُو
كأنّي منذُ غابتْ تلكَ عيني
غريبُ الروحِ، مضطربُ الهُيومُ
أطوفُ بكلِّ ناحيةٍ لعلّي
أرى طيفًا، فيرتعشُ السديمُ
ويُرهقني الحنينُ بغيرِ وعدٍ
فأصمتُ، والأسى وجعٌ قديمُ
إذا مرَّ النسيمُ توهّمتُ سرًّا
يجيءُ مع النسيمِ لهُ ترنيمُ
وأخشى أن يطولَ البعدُ حتّى
يصيرَ القلبُ من وجدي رميمُ
فما لي كلّما حاولتُ سلوًا
أعادَ الشوقُ ما أخفى الكتومُ
كأنَّ العمرَ من دونِ اقترابٍ
كتابٌ أُغلقتْ فيهِ العلومُ
وأنَّ الروحَ مذ غابتْ بعيدًا
تفتّشُ في المدى عبثًا... وتُحجِمُ
فلا شمسٌ تُبدّدُ ما اعتراني
ولا فجرٌ على عينيَّ يقومُ
سوى أنّي إذا مرَّتْ ظلالٌ
توهّمتُ اقترابًا... ثمّ أعدِمُ