لبيك ربي خالق الأكوانِ
دمعي يثر للوعة الأشجانِ
هام الفؤاد ب«يثرب» وب«مكة»
والشوق أحرق نبضة الوجدانِ
أرنو إلى بيت العتيق وحوله
أرواح عشاق بلا أبدانِ
بيت عليه من الجلال سرادق
يخشعن دون جلاله العينانِ
يا بيت ربي كم حننت لقبلة
فوق الحطيم وموضع الأركانِ
ترب الحجاز كحول عيني من عمى
وملاذ كل مشرد حيرانِ
شوقي لأحجار المقام وغبرة
فيها مشى المبعوث بالفرقانِ
روحي تميد بمطلع النور الذي
طرد الضلال برحمة الرحمانِ
تبكي العيون إذا ذكرت معالما
مبنية بالعز والإيمانِ
عبق النبوة في البطاح أريجه
يجتاح قلب العاشق الحنانِ
وتقودني الأشواق نحو شعائر
منها الصفا والمروة الأثرانِ
جبلان شع النور بين ذراهما
وسعى به المحزون كالظمآنِ
يا ليتني في السعي أركض لهفة
رَكْض الظماء لصيب الوِديانِ
نفسي تطوف بها وتقطع بالهوى
وعر الفجاج بعبرة الأجفان
هو بلسم الأرواح في خفقاتها
بين المقادس والحمى الريانِ
وإذا نظرت إلى«المدينة» بغتة
سالت دموعي كالحيا الهتانِ
طفحت بأَسرار الخلود أديمُها
وتقاصرت عن دونها الثقلانِ
يا صاحب القبر المنور بالهدى
نفسي فداك على مدى الأزمانِ
أشتاق روضتك الندية لهفة
كم غاب فيها لوعة الحدثانِ
عظم النوى عن مكة فلأنني
أصلى بنار الشوق والحرمانِ
مكتوبة للعاشقين طريقهم
وأنا القتيل بذلك الميدانِ
قيس الغرام بحب ليلى قد غدا
أسطورة تروى بكل زمانِ
لكن شوقي للمشاعر لهفة
تربو على قيس وكل مُعانِ
أنا ذلك العبد الذي انشقت له
نفس تذوب لشدة الأحزانِ
أشتاق كعبتكم وترب عراصكم
شوق الصوادي للنمير الداني
لو شق صدري في الجوى لرأيتم
رسم الحطيم منقشا بجناني
أسرى بي الوجد العنيف لأرضكم
والجسم كبله نوى الأزمَانِ
كم بات طائر غربتي في أيكه
يبكي النوى بلواعج الألحانِ
يا كعبة الأرواح هل من وجهة
يشفى بها كمدي من التَيَهانِ
عشقي ل«طيبة» ليس عشقا زائلا
هو نبضة تجري مع الشريانِ
لو كان يفدي المرء شوق مقامكم
لفديت رحبتها بعمر فانِ
أستقبل النفحات من نحو الحمى
فأخر مغشيا من التحنانِ
طال انتظاري والقوافل أسرعت
وأنا المخلف عن ذرى الأوطانِ
كم جرعتني الفرقة النكراء من
غصص تشف نياط كل جنانِ
روحي هناك مع الحجيج تحوم في
أُفق يُشق بلوعة الركبانِ
يا ليت جسمي أن يطوف ببيتكم
ويعفر الخدين في الأركانِ