ما بالُ عَيْنِكَ بَجَّسَتْ أَوْشالَها
وَتَواتَرَتْ مِنْها الدُّمُوعُ فَما لَها
أَمِنَ ادِّكارِ أَحِبَّةٍ رَحَلَتْ بِهِمْ
شُهْبُ الجِمالِ وَأَوْشَكَتْ إِرْقالَها
وَخَلَتْ مَنازِلُهُمْ فأَضْحَى رَسْمُها
فِيهِ السَّواهِكُ جَرَّرَتْ أَذْيالَها
لا بَلْ هُمُومٌ خامَرَتْنِي بَعْدَما
قَدْ كُنْتُ يَوْماً خالِعاً سِرْبالَها
فَتَقَطَّعَتْ كَبِدِي لِوَقْعِ حَوادِثٍ
إِذْ قَدْ أَساءَتْ فِي الكِرامِ فِعالَها
لَمْ يَصْفُ لِلدُّنْيا زُلالٌ مَرَّةً
إِلاَّ وَكَدَّرَتْ الخُطُوبُ زُلالَها
يا لَهْفَ قَلْبٍ مِنْ كآبَتِهِ وَيا
لِحَوادِثٍ قَدْ أَحْزَنَتْنِي يا لَها
إِنْ تَحْزَنَنْ نَفْسِي فَصُحْبَةُ حُزْنِها
مِنْ بَعْدِ نَبْهانِ الفَتَى أَوْلَى لَها
مارَتْ لِمَوْتَتِهِ السَّماءُ جَمِيعُها
وَالأَرْضُ حَتَّى زُلْزِلَتْ زِلْزالَها
وَتَصَدَّعَتْ أَصْلادُها وَتَهَدَّمَتْ
آكامُها وَاسْتَخْرَجَتْ أَثْقالَها
لَبِثَتْ تَمِيدُ مُتُونُها مِنْ رَجْفَةٍ
وَقَعَتْ فَقالَ المَرْءُ حِيناً ما لَها
وَكأَنَّ إِسْرافِيلَ صاحَ بِنَفْخَةٍ
زَجَرَتْ فأَلْبَسَتْ الوَرَى أَهْوالَها
وَالأَرْضُ أَضْحَتْ لِلْعُيُونِ قَبِيحَةً
غَبْراءَ قَدْ غَمَسَ القَتامُ جَمالَها
صَبَّتْ عَلَى الثَّقَلَيْنِ أَعْظَمَ خُطَّةٍ
فُرْقاهُ حَتَّى غَيَّرَتْ أَحْوالَها
وَالكُلُّ يَصْرُخُ بِالبُكاءِ لِكُرْبَةٍ
تَغْشَى الأَنامَ نِساءَها وَرِجالَها
فَجَعَتْ مَنِيَّتُهُ البَرِيَّةَ كُلَّها
فَكأَنَّها أَهْدَتْ لَها آجالَها
أَلا ما لِي وَلِلأَشْواقِ ما لِي
أَدِينُ بِدِينِها فِي زِيِّ سالِ
وَأَكْتُمُ ما لَقِيتُ وَما رَمَتْنِي
بِهِ أَلْحاظُ سُعْدَى مِنْ نِبالِ
فَكِتْمانُ الهَوَى لا شَكَّ مِنِّي
هوَ الخَطأُ النَّزُوعُ إِلَى الضَّلالِ
أَأَجْحَدُ حُبَّ سُعْدَى وَهوَ سِرٌّ
حَقِيقٌ أَنْ يُصَرَّحَ فِي المَقالِ
أَلا يا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَرادَتْ
وِصالِي أَمْ خَطَرْتُ لَها بِبالِ
مُخَدَّرَةٌ خَبَرْنَجَةٌ رَداحٌ
مُنَعَّمَةٌ مُمَنَّعَةُ الوِصالِ
كَساها اللهُ بُرْداً مِنْ حَياءٍ
وَسِرْبالاً تَهَلْهَلَ مِنْ جَمالِ
وَمُذْ لَبِسَتْ تَمامَ البَدْرِ حُسْناً
لَبِسْتُ نَحافَةً نَقْصَ الهِلالِ
وَصَيَّرَنِي دَقِيقُ الخَصْرِ مِنْها
لِدِقَّتِهِ أَدَقَّ مِنَ الخِلالِ
تُؤَيِّسُنِي بِطُولِ الهَجْرِ مِنْها
وَتُطْمِعُنِي بِأَنْواعِ الدَّلالِ
فَما لِي فِي هَواها مِنْ نَصِيبٍ
لَدَيْها مِنْ حَرامٍ أَو حَلالِ
تَثَنَّتْ كالقَضِيبِ وَلاحَظَتْنِي
بِناظِرَةٍ كَناظِرَةِ الغَزالِ
كأَنَّ الرِّيقَ مِنْها سَلْسَبِيلٌ
يُشابُ بِماءِ غادِيَةٍ زُلالِ
أَفِقْ يا عاذِلِي قَدْ حُلْتَ لَوْماً
وَما لَكَ فِي المَسامِعِ مِنْ مُحالِ
أَتَعْذِلُنِي وَرُوحِي غَيْرُ رُوحِي
لِمَذْهَبِها وَحالِي غَيْرُ حالِي
وَداءُ الحُبِّ داءٌ أَيُّ داءٍ
يَحُطُّ الصَّبَّ مِنْ فَوْقِ الرِّحالِ
وَمِنْ عَجَبِ الصَّبابَةِ فِي مُحِبٍّ
يَذُوبُ صَبابَةً فِي حُبِّ قالِ
بِنَفْسِي مَنْ كَلِفْتُ بِها غَراماً
وَإِنْ صَرَمَتْ بِهِجْرَتِها حِبالِي
أُؤَمِّلُ راحَةً فِي حُبِّ سُعْدَى
وَذلِكُمُ مُحالٌ فِي مُحالِ
وَكَيْفَ تَكُونُ راحَةُ مُسْتَهامٍ
لِنِيرانِ الهَوَى وَالوَجْدِ صالِ
قِفا يا صاحِبَيَّ قِفا وَسِحَّا
دُمُوعَكُما عَلَى الدِّمَنِ الخَوالِي
رُسُومٌ لَمْ تَبِنْ لِلْعَيْنِ فِيها
سِماتٌ غَيْرَ مَشْجُوجِ القَذالِ
وَأَطْحَلَ لاحَتْ الأَطْلالُ مِنْهُ
كَخَدٍّ لاحَ مَلْزُوماً بِخالِ
عَفَتْها الهُوجُ بَيْنَ صَباً وَبَيْنَ ال
دَّبُورِ وَبَيْنَ ذارِيَةِ الشَّمالِ
فَإِنْ بَلِيَتْ فإِنَّ الجِسْمَ مِنِّي
كَنُؤْيِ طُلُولِها المَهْدُومِ بالِ
تَحَمَّلَ قاطِنُوها وَاشْمَعَلَّتْ
بِقاطِنِها مَراسِيلُ الجِمالِ
كأَنَّ حُدُوجَهُمْ سُفُنٌ بِلُجٍّ
إِذا ما خُضْنَ آلاً بَعْدَ آلِ
وَفِي الأَحْداجِ قَدْ كَنَسَتْ شُمُوسٌ
مَدارُ بُرُوجِها فَلَكُ الحِجالِ
وَقَدْ أَثْقَلْنَ أَصْلابَ المَطايا
بِأَكْفالٍ كأَحْقافِ الرِّمالِ
مَضَى عَصْرُ الشَّبابِ وَكُلُّ شَيءٍ
إِذا ما تَمَّ صارَ إِلَى زَوالِ
وَأَلْبَسَنِي بَياضُ الشَّيْبِ نَوْراً
عَناصِرُهُ مِنَ الدَّاءِ العُضالِ
أَرَى الدُّنْيا وَنَحْنُ لَها عِيالٌ
مُؤَلِّفَةً بِتَفْرِيقِ العِيالِ
نُراقِبُها بِأَطْماعٍ سِمانٍ
فَتُرْضِينا بِأَخْلاقٍ هُزالِ
أَلا ما لِلَّيالِي لا أَرَاها
تَمِيلُ عَنْ المَمالِ إِلَى اعْتِدالِ
تُنازِلُنا بِأَحْداثٍ عِظامٍ
يُصَدِّعُ وَقْعُها صُمَّ الجِبالِ
وَتَحْكُمُ حَيْثُ تَحْكُمُ حُكْمَ جَوْرٍ
فَوا عَجَباهُ مِنْ حُكْمِ اللَّيالِي
يَسُومُ النَّذْلُ فِي رَوْضِ الأَمانِي
خَلِيعَ القَيْدِ مَحْلُولَ العِقالِ
وَيَسْعَى الحُرُّ وَالأَرْزاقُ عَنْهُ
مُمَنَّعَةٌ بِهاماتِ القِلالِ
فَمَنْ لِي بِامْرِئٍ نَدْبٍ إِذا ما
وَفَيْتُ لَهُ بِما يَرْجُو وَفَى لِي
وَحَرْفٍ مِنْ بَناتِ العِيدِ لَيْسَتْ
تَشَكَّى فِي المَسِيرِ مِنَ الكَلالِ
شَقَقْتُ بِوَخْدِها قَلْبَ الدَّياجِي
وَشُهْبُ الجَوِّ تَلْمَعُ كالذُّبالِ
تَشِيمُ بُرُوقَ جُودِ صادِقاتٍ
مِنَ المَلِكِ الهُمامِ أَبِي المَعالِي
ثِمالُ المُمْحِلِ الصَّادِي إِذا لَمْ
يَكُنْ فِي يَوْمِ جَدْبٍ مِنْ ثِمالِ
يُحِيطُ بِوَجْهِهِ الزَّاكِي جَلالٌ
أَحاطَ بِهِ جَلالٌ فِي جَلالِ
كأَنَّ بَنانَهُ وَطْفاءُ ثَجَّتْ
وَسَحَّتْ بِانْسِكابٍ وَانْهِطالِ
سَماحَةُ حاتِمٍ فِي يَوْمِ جُودٍ
لَهُ وَنِزالُ عَمْروٍ فِي النِّزالِ
أَبِيُّ النَّفْسِ ذُو عِرْضٍ مُصانٍ
سَخِيُّ الكَفِّ ذُو مالٍ مُذالِ
لَقَدْ كَمَلَتْ مَحامِدُهُ وَهَمَّتْ
لِتَسْلُكَ مُرْتَقىً فَوْقَ الكَمالِ
حُسامٌ ما لَهُ غَيْرُ المَعالِي
وَتَشْيِيدِ المَكارِمِ مِنْ صِقالِ
وَلَيْثُ وَغَىً وَلَيْسَ لَهُ عَرِينٌ
سِوَى الأَسْيافِ وَالسُّمْرِ العَوالِي
زَعِيمُ الحَرْبِ إِنْ طَحَنَتْ رَحاها
وَدارَتْ وَارْجَحَنَّتْ فِي الثِّفَالِ
إِذا كَرَّتْ فَوارِسُها وَصارَتْ
رِعالُ الخَيْلِ تُصْدَمُ بِالرِّعالِ
وَقَدْ كَشَرَتْ ثُغُورُ مُدَجَّجِيها
لِتَقْيِيدِ الأَسِنَّةِ وَالنِّصالِ
أَكَهْلانَ بنَ حافِظِ لَيْتَ شِعْرِي
أَوائِلُهُ لِمَدْحِكَ وَالتَّوالِي
فَوا نَدَمِي عَلَى مَدْحِي وَشُكْرِي
سِواكَ مِنَ الأَسافِلِ وَالأَعالِي
وَبَذْلِي ماءَ وَجْهِي فِي سُؤالِي
لِشَيءٍ لا يُقَدَّرُ لِلسُّؤالِ
نَوالُ يَدَيْكَ صِرْتُ بِهِ غَنِيًّا
فَلَسْتُ أَتُوقُ بَعْدُ إِلَى نَوالِ
جَنُوبُ الفَضْلِ مِنْكَ سَرَتْ فأَرْخَتْ
سَحابَ الجُودِ مُنْبَعِقَ النِّزالِ
سَحابٌ إنْ هَمَى وَانْصَبَّ أَزْرَى
مُلِثُّ نَداهُ بِالسُّحْبِ الثِّقالِ
فَضَلْتَ بِجُودِكَ الأَمْلاكَ طُرًّا
كَما فَضَلَ اليَمِينُ عَلَى الشِّمالِ
وَما مَدْحِي وَما وَصْفِي وَقَوْلِي
جَلالُكَ جَلَّ عَنْ قِيلٍ وَقالِ