وَمَاذَا إِنْ أَلَحَّ اللَّيْلُ يَشْرَبُ كَأْسَ قَهْوَتِهِ
صَبَاحًا، ثُمَّ يَجْلِسُ قُرْبَ نَافِذَتِي
وَيَسْأَلُنِي:
مَتَى تَأْتِي إِلَيَّ تَعُودُنِي..؟
وَمَتَى تُعِيدُ الْوَقْتَ لِلزَّمَنِ الَّذِي يَنْسَاكَ…؟
وَمَاذَا لَوْ يَدٌ سَكَبَتْ
بَقَايَا الْحُلْمِ فِي كَأْسِي
لِأَشْرَبَ مِنْ يَدِي نَخْبَ انْفِرَادِي
هَكَذَا أَصْبَحْتُ حَلَّاجَ الْمَرَايَا
أَلْمَحُ الْأَشْيَاءَ تُصْلَبُ فَوْقَ رَأْسِي
لَيْسَ يَعْنِينِي اعْتِرَافُكَ إِنْ
يَدٌ سَكَبَتْ حَنِينَكَ فِي يَدِي..
تُحَاصِرُنِي بِدَمْعَتِهَا
كَأَنِّي نَاقِفٌ لَا يُحْسِنُ الْإِصْغَاءَ
هَذَا اللَّيْلُ لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ
أَوْ فَقُلْ: إِنِّي بِهَا ثَمِلٌ..
عَرَفْتُ بِهَا انْكِسَارِي حِينَ خُضْتُ حُرُوبَ أَحْلَامِي
وَلَمْ أَفْتَحْ بِهَا قُبَلًا
وَإِنْ أَعْيَتْنِيَ الْقُبَلُ...
أَيَا وَجَعَ الْمَرَايَا
يَا أَتُونَ النَّارِ فِي صَهَدِ الْهَجِيرِ
يَدَاكِ لَوْ مَرَّتْ عَلَى جَسَدِي
أَكَانَ لِهَذِهِ الْحُمَّى يَدٌ تَغْتَالُ
أَوْ وَأْدٌ خَفِيٌّ لِلْمَرَايَا...
كُنْتِ أَسْئِلَةً تُحَاصِرُنِي
ضَبَابًا يَنْتَقِينِي بَعْدَ خَوْفٍ
لَمْ أَعُدْ أَحْتَاجُ ظِلًّا.. كَانَ لِي ظِلٌّ
وَكُنْتُ كَمَا أَنَا لَيْلًا
وَأَسْئِلَةً وَكَأْسًا غَارِقًا فِي صَمْتِهِ
وَأَتُوهُ عَنْكِ.. أَتُوهُ عَنْ نَخْلِي وَرُمَّانِي
تُحَاصِرُنِي كَأَيِّ سَحَابَةٍ لَا مَاءَ فِيهَا
تَسْتَفِزُّ هُدُوءَ أَعْصَابِي
وَتُلْقِينِي عَلَى حَجَرٍ هُنَاكَ..
سَأَلْتَقِي الرِّيحَ الَّتِي حَمَلَتْ حَقَائِبَهَا صَبَاحَئِذٍ
سَأَرْسُمُ وَجْهَهَا فِي مَرْمَرِ الْحُلْمِ الْقَصِيِّ
فَقَدْ أَرَاكِ وَلَا أَرَى شَيْئًا..
لِتَطْفُو الْكَأْسُ فِي جَسَدِي طَرِيقٌ وَاحِدٌ
أَنْ أُشْغِلَ الْمَعْنَى بِبَعْضِ اللَّفْظِ
ثُمَّ أَسْكُبَ مَا تَبَقَّى مِنْ مَجَازَاتٍ
عَلَى صَدْرِ اللَّيَالِي..
هَكَذَا صِرْتُ الْجَدِيرَ بِكُلِّ هَرْطَقَةٍ.
تَطُوفُ الْكَأْسُ حَوْلِي
وَالَّتِي كَالرِّيحِ تَجْلِسُ قُرْبَ مَائِدَتِي
وَأَسْأَلُهَا عَنِ الرِّيحِ الَّتِي ضَحِكَتْ
وَأَسْأَلُهَا:
مَتَى يَأْتِي الرَّبِيعُ وَتَكْبُرُ الْأَشْجَارُ ثَانِيَةً..؟
تَأَمَّلْ جَيِّدًا..
فِي شَارِعِ الْأَحْزَانِ لَا يَبْقَى لِأَيِّ حِكَايَةٍ أَثَرٌ..
يَجِفُّ الدَّمْعُ قَبْلَ الْوَقْتِ
فَالْإِسْفَلْتُ يَشْهَدُ أَنَّهَا مَرَّتْ
سَرِيعًا مِثْلَ أَيِّ سَحَابَةٍ أَوْ قُلْ:
كَأَيِّ رَصَاصَةٍ عَمْيَاءَ طَائِشَةٍ...
أَيَكْفِي مَا تُخَبِّئُهُ
لَكَ الْمِرْآةُ مِنْ وَجْهٍ غَرِيبٍ
كُلَّمَا أَبْصَرْتَهُ قُلْتَ: الصَّبَاحُ هُنَا غَرِيبٌ.
هَذَهِ الْمِرْآةُ تَفْتَحُ أَلْفَ بَابٍ لِلْهُرُوبِ.. وَلَا مَفَرُّ
حَوَاجِزُ الْمَعْنَى تُقِيمُ هُنَا مَتَارِسَهَا
فَلَنْ يَمْضِي سِوَى الْحَرْفِ الْمُدَجَّجِ بِالْعِبَارَاتِ الرَّشِيقَةِ
يَا يَدِي... لَوْ تَمْكُثِينَ كَمَا أَنَا
لَوْ تُمْسِكِينَ بِمَا مَضَى مِنْ وَقْتِكِ الْمُنْسَلِّ بَيْنَ مَدَاخِلِ الْكَلِمَاتِ
لَوْ تَرْضَيْنَ بِي..
أَوْ تَحْلُمِينَ بِجَوْلَةٍ فِي دَاخِلِ النَّصِّ الْجَرِيءِ
فَقَدْ أَرَاكِ.. وَلَا أَرَى شَيْئًا..