أَنَا ابْنُ القَصِيدِ وَمِنْهَا انْحَدَرْ
وَفِيهَا تَوَهَّجَ رُوحِي وَثَارْ
تَعَلَّمْتُ مِنْهَا اتِّسَاعَ الحَيَاةِ
فَصَارَتْ دَمِي وَبِهَا أَسْتَقِرْ
وَمَا كُنْتُ إِلَّا كَجَمْرٍ خَبَا
يُذِيبُ الزَّمَانُ بِهِ مَا ادَّخَرْ
فَلَمَّا نَظَمْتُ تَفَتَّحْتُ لِي
دُرُوبٌ وَأَبْوَابُ نُورٍ زُهِرْ
وَقَالَ الرُّوَاةُ وَأَهْلُ الكَلَامِ
هَذَا الَّذِي جَاءَ بَعْدَ الكِبَرْ
وَقَالُوا سَيَبْقَى عَلَى مَرِّ دَهْرٍ
وَلَنْ يَبْلُغَ الخَلْقُ مَا قَدْ نَثَرْ
فَنَظْمِي سُيُوفٌ وَلَيْسَ الكَلَامُ
وَضَرْبِي القَوَافِيَ كَضَرْبِ الحَجَرْ
وَهَجَّرْتُ قَلْبِي إِلَى صَمْتِهِ
فَرَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ مَا لَمْ يُرَرْ
فَقُلْتُ سَأَكْتُبُ كُلَّ الجَمَالِ
وَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُهُ قَدْ غَبَرْ
فَأَبْصَرْتُ وَجْهاً كَبَدْرِ الدُّجَى
وَعَيْنَيْنِ كالفُسَيْساء انْبَهَرْ
كَأَنَّ الخَرَزَ صَاغَتْهُمَا
يَدٌ مِنْ سَمَاءٍ بِنُورٍ سَهَرْ
وَضَحْكَتُهَا شِفَةٌ لِلأَرْوَاحِ
يُعَافَى بِهَا كُلُّ قَلْبٍ كَسَرْ
فَهَذَا جَمَالٌ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ
وَلَا خَطَّ عَنْهُ يَرَاعٌ سَطَرْ
كَتَبْتُ وَصُنْتُ حُدُودَ العِبَادِ
فَمَا أَوْقَدَ النَّارَ مَنْ قَدْ حَذَرْ
أَنَا الشَّاعِرُ الحُرُّ لَكِنَّ حُرِّيَّتِي
سِيَاجٌ مِنَ الحَقِّ لَا يَنْكَسِرْ
فَلَا الفُحْشُ فِي شِعْرِي يَأْوِي إِلَيْهِ
وَلَا الزَّيْغُ فِيمَا نَظَمْتُ ظَهَرْ
وَقُدْسٌ هُوَ اللهُ فِي كُلِّ نَظْمٍ
وَمَنْ عَصَى المَوْلَى فَقَدْ خَسِرَا
سَأَكْتُبُ مَا دَامَ فِي الكَفِّ نَبْضٌ
وَمَا انْفَكَّ فِي القَلْبِ مَاءٌ وَشَرَرْ
وَأُنْشِدُ مَا دَامَ فِي الصَّوْتِ رُوحٌ
وَإِنْ خَفَتَ الصَّوْتُ لَمْ أَنْزَجِرْ
وَأَمُوتُ وَقَدْ عِشْتُ فَوْقَ السُّطُورِ
شَرِيفاً يُحَيِّيهِ مَنْ قَدْ ذَكَرْ
فَيَعْرِفُنِي أَهْلِيَ وَالأَصْحَابُ
هَذَا الَّذِي عَاشَ حَتَّى زَهَرْ
وَكَانَ عَلَى العَهْدِ لَمْ يَتَغَيَّرْ
وَمَاتَ وَقَلْبُهُ لَمْ يُدَنَّسْ وَطَرْ