الدّهرُ حربٌ بالرزايا الفُجَّعِ
وبنوه نهبٌ للمنايا الشُّرّعِ
ونوائبُ الأيام لا تنبو ولا
تكبو وليس وراءها من مَفزع
تُخْنِي تخون تَمين لا لا تُتَّقَى
تُغري تغرّ تُبيح كلَّ ممنّع
إن كانتِ الأيام أعمارًا لنا
فبقاؤنا لتَحسُّرٍ وتَوقُّع
جورُ الزّمان مع الحياة وعدلُه
في الموت قاضٍ باختيار المَصْرع
وَيْحَ النّفوس قد ابتلاها ربّها
حيث ادّعت وكذاك شأنُ المدّعي
رُدّتْ لأسفل سافلين طبيعةً
وهوًى وكانت في المقام الأرفع
فُطرتْ على التّنزيه ثمّ تورّطت
بمضايق التّشبيه لو لم تُردع
عَميت مسالكها ولو لم تغتربْ
كانت أدلَّ من القطا للمَهْيَع
وأشدُّ ما بُليت به فقدانُها
أهلَ العلوم وكلّ بَرٍّ أروع
كالعالم العلاّمة الفهّامة ال
بحرِ المحيط بدُرّها المتنوّع
صدرِ الشريعة ترجمان لسانها ال
بَرِّ التقيِّ الماجد المتورّع
مُغني اللّبيب عن الكتاب مُفصِّل ال
جملِ اللُّباب بكلّ معنًى مبدع
كشّافِ أسرار البلاغة قطبِ أف
لاكِ المعارفِ والعلوم النُّفَّع
ظفرتْ يدُ الأيام منه بماجدٍ
حَبْرٍ سرّيٍّ أريحيٍّ ألمع
عضّته آسفةً عليه كأنّما
عضّت بَنان النّادم المسترجع
جادت به واسترجعته وربّما
جادَ البخيلُ لمشيةٍ أو مطمع
كان الطويلُ ذراعَه العالي الذّرا
فاستنزلتْه إلى ثلاثٍ أذرع
فاستأنستْ منه القبورُ وأوحشت
منه المساجدُ فهي ذات تَفجّع
يا دهرُ مَنْ للعلم مَنْ للفضل من
أبقيتَ بعد نضوب ذاك المشرع؟!
عاجلتنا وعبثتَ فينا فاتّئدْ
هل بعد مصرع «بَيْرمٍ» من مصرع
جرثومةِ المجد الأصيل ودوحة ال
أصلِ الأصيل هوتْ بريحٍ زعزع
لله ما وارى الترابُ وما حوى
من سؤددٍ ومكارمٍ في بلقع
ومهابةٍ ملء القلوب ونظرةٍ
ملء العيون وطُرْفةٍ للمسمع
يا قبرُ أنت الآن روضةُ جنّةٍ
من مَرَّ حولك فليزُرْ وليرتع
يا قبرُ إنّك قد سُقيت بوجهه
فاشكرْه واستبشرْ به وتَوسّع
يا قبرُ كيف سعدتَ أنت بقربه
دون البقاع فكنتَ أكرمَ موضع
يا قبرُ أيُّ وديعةٍ أُودعتَها
فكنِ الأمينَ وخَفْ من المستودع
يا قبرُ لا تُبْلغْ إليه مُصابنا
فتَروعَه قد كان غيرَ مُروَّع
يا قبرُ من للمُعْضلات فليلُها
داجٍ وبدرُ كماله لم يطلع
يا قبرُ إنّك إن طويتَ علومه
لم تطوِ نشرَ ثنائه المتضوّع
يا أيّها الجبلُ المنيفُ بقربه
طاولْ به ما شئتَ تعْلُ ويخضع
نَاهِيك من علمٍ على علمٍ ومن
شمسٍ مُناظرةٍ لقطبٍ أرفع