تخطَّ إلى المحتوى

لو أنني طرزت وجهي بالكذب

شعر التفعيلة

٥٨ بيت

الحماسة

لَوْ أنَّني طرَّزتُ وجهي بالكذِبْ

وحَمَلتُ في كَفِّي سُؤالًا لا يُجابُ ولا يُجِبْ

وكتبتُ فوقَ جُبينيَ المَسلُوبِ: سَمعًا يا سِيادَتَكُمْ!

وانحنيتُ على الرصيفِ أبيعُ أيَّامي لمنْ كانَ اشْتَرى

لَوْ أنَّني رَقَصتُ في ساحِ الحِذاءِ المُنتَعَلْ

وَسَحَقتُ ظِلِّي كي أُطيلَ لِسَانَ قَوْمٍ لا يَخَافونَ الخَجَلْ

لَوْ أنَّني...

لَوْ أنَّني دَسَّستُ أحْلامي بأعْماقِ الرَّمادْ

ومشيتُ في دربِ النِّفاقِ كأنَّهُ كانَ المَعادْ

لَوْ أنَّني شَرَّعتُ في خُطبي المَسَاجِدَ والمَدَائِنَ والقِبابْ

وجعلتُ منْ فَقرِ البلادِ مَآذِنًا

ومنَ القُمامةِ وَردَةً فَاحَتْ بأسمَاءِ الذِّئابْ

لَصِرتُ مَعبُودَة السَّوادْ

وحَملتُ صَكًّا مِنْ فَخَامَتِهِمْ

بأنّي لَمْ أَزَلْ حَيًّة

وَأني أرتقي دَرَجَ الفَسَادْ!

لكنّني...

لكنّني ما كنتُ مَقبورَ اللِّسانِ، ولا جَبانة

ما كنتُ حَطّابَ الرِّياءِ، ولا زُحَافة في الزّمانْ

أنا لَمْ أُصَافِح كَفَّ مَن باعُوا القَصَائِدَ للزَّمَانِ المُسْتَعارْ

ولا ارتَديتُ ثِيَابَ مَنْ صَنعوا قنَاعَاتِ المَجَازِ مِنَ الغُبَارْ

أنا لم أُحَوِّلْ شَمسَ أيّامي إلى تُرْسٍ يُشِيرُ إلى السِّيادَةِ والضِّيَاعْ

ولم أُقَبِّلْ وَجْهَ مَنْ صَارُوا دُمَى فوقَ الكَراسي، وَاحْتَسُوا حَبرَ التُّبَاعْ

لَوْ أنَّني...

لَوْ أنَّني وَضَعَتْ يَدِي في راحةِ الجُبنِ الكَبيرْ

وجَلَسْتُ فوقَ الذُّلِّ، أَحْنِي الرَّأسَ كالطِّفلِ الصَّغِيرْ

لَوْ أنَّني سَافَرتُ في بَحرِ التَّسَلقِ والطُّعُومْ

واشْتَريتُ تَذَاكِرَ النِّسْيَانِ فِي زَمنِ السُّرُورِ المُسْتَدِيمْ

لَوْ أنَّني قَبِلْتُ أن أَحْنِي الظُّهُورَ لِكُلِّ نَعلٍ عَابِرٍ

وأصُوغُ وَجْهَ الوَهمِ بَابًا في مَدِينَةِ السُّقُوطْ

لَوْ أنَّني…

لَوْ أنَّني صَارَتْ يَدِي قَفَصًا يُقَبِّلُ حَبلَ أسيادِي

وَغَدَتْ جُرُوحِيَ نَافِذَةً لِكُلِّ الخَانِعِينَ المُهْتَرِئِينْ

لَأعْلَنُوا فِي صَحْوَةِ المَجْدِ الكَذُوبْ

أَنِّي البَطَلْ!

لكنّني...

لكنّني وَقَفْتُ فِي وَجْهِ الرِّيَاحْ

وَكَتَبْتُ فَوقَ جِدَارِ ذَاكِرَتِي كَرَامَتِي نُورٌ، وَعِزَّتِي مِصْبَاحْ

ما قَبَّلتُ يَدًا تُبَاعُ عَلَى الدَّسَاتِيرِ العَفِنَةْ

ولا جَعلتُ المَوتَ مِيزَانًا لِتَسْكِينَ الألِفَةْ

أنا مَا بَعْتُ صَوتِي، مَا بَلَعْتُ لِسَانِي

ما كَسَرْتُ قَلَمِي، مَا تَجَمَّدْتُ فِي زَمَانِي

أنا مَا دَفَنْتُ مَعَ الفُقَرَاءِ حُلْمَهُمْ

وَمَا تَرَكْتُ الجُوعَ يَحْتَفِي بِأَرَاحِيلِ الأَيْدِي المُتْعَبَةْ

لَوْ أنَّني...

لَوْ أنَّني... لَكُنتُ بَطْلة مَغْشُوشًا في زَمَانِ الكَاذِبِينْ

لَكُنتُ مِسْمَارًا يَتَدَلَّى في جِدَارِ الخَائِفِينْ

لَكُنتُ طَبْلًا يَسْتَحِقُّ جَلْدَهُ المُتَسَابِقُونْ

لَكُنتُ أُكْذُوبَةً لَها ألفُ وَجْهٍ يُسْبَحُ فِي مَعْبَدِها النَّاسُ كَالمَسْحُورِينْ

لكنّني...

لكنّني مَا زِلْتُ أَمْشِي وَحْدِي

وَحَدِي يُرَاوِدُ خَطْوَتِي، وَجِرَاحِي نُقُوشٌ عَلَى وَجْهِ الحَياةْ

أنا وَطَنٌ فِي أَنْفَاسِي، أَنْزِفُهُ وَيَنْزِفُنِي

أنا قَضِيَّةُ صَوتٍ يَرْفُضُ أَنْ يَمُوتَ

أنا آخِرُ مَنْ تبقَى وَأَوَّلُ مَنْ تسَاقُ إلى المَمَاتْ

لأَنِّي لا أُحْنِي جَبِينِي

وَلا أَسْجُدُ لِلأَوْهَامِ وَالأصْنَامِ

وَلَا أَبِيعُ قَضِيَّتِي بِأَرْغِفَةِ الذُّلِّ وَالرُّضُوخْ!