تخطَّ إلى المحتوى

شعر التفعيلة

٩٢ بيت

الحكمة

كانَ يَمشي…

وفي جيبِهِ رائحةُ الأزمنة،

يُقَلِّبُ أحزانَهُ مثلَ سُبْحَةٍ

تتدلّى من يدِ شيخٍ نسيَ الخطى.

قالوا:

مَن أنت..

فابتسمَ بحذرٍ

كَمَن يعرفُ أنَّ السؤالَ قَدَر،

والجوابَ… منفى طويلة طرقُه.

قال:

أنا بائعُ الحكمة،

أحملُها في كفّي

كما يحملُ الجائعُ رغيفًا

ويعرف أنّ اللقمةَ ليست له.

يا سائلي…

الحكمةُ نارٌ لا تُشعلُها الحكايات،

وماءٌ لا يشربُهُ إلّا مَن غَرِق.

كنتُ أبيعُهم ما ينقصُهم،

كلمةً تُصلِّحُ قلبًا،

ونَفَسًا توقِظُ روحًا

نامتْ في آخرِ الرفوف.

لكنّهم…

يدفعون ثمنَ الزيفِ فقط،

ويهربون من المرايا

كأنَّ ملامحَهم فضيحةٌ

لا تُغطّيها العتمة.

وأمضي…

أمشي فوقَ حَصى الطريق

وموسيقى الحروف تتعثّرُ

في ظلِّ قَدَمَي

مثلَ يتيمٍ يبحثُ عن حضنٍ

لا يعرفُ اسمَه.

وأعرف…

أنّ الحكمةَ بضاعةٌ خاسرة،

وأنّني آخرُ بائعٍ

في سوقٍ

لا يسمعُ صوته أحد.

لكنّي…

ما زلتُ أبتسم،

فالحكمةُ

لا تُباعُ لمن يريدها،

بل لمن يَحتاجها

حين ينهارُ الليلُ في صدره.

ولمّا طالَ الطريقُ عليَّ،

وصارَ الهواءُ شيخًا آخر

يحملُ ذاكرةً أكثرَ من طاقته،

فهمتُ أنَّ الخطوةَ الأولى

كانت حكايةً

والخطوةَ الأخيرة

تسألُني: هل بقي فيك شيء؟

كنتُ أُحدِّثُ الغيمَ

عن الذين يشترون العتمةَ

ويُساومون الضوء،

عن الذين يطلبون حكمةً

تشبهُ ملابسَ العيد…

يومين من البهجة

ثم تُرمى.

وأقولُ لنفسي..

يا بائعَ الحكمة…

لا تُحزنكَ الطرقُ المهجورة

فالعابرون الحقيقيّون

لا يأتون في الظهيرة،

بل في ساعةٍ

يكون فيها الظلُّ

أصدقَ من الوجوه.

ولمّا سألتني الريحُ..

هل تعبت..

ابتسمتُ…

فالطريقُ الذي يُتعبُ الحكيم

لم يُخلق بَعد،

والمَتعبُ وحده

هو صمتُ الأرواح

حين ترفضُ أن تسمع..

أنا بائعُ الحكمة…

لا دكّانَ لي،

ولا لافتةٌ،

ولا ميزانٌ

يقيسُ مقدارَ الصدقِ في العيون.

رأسمالي كلمة،

وخسارتي صمت

وربحي…

أن يغادرَ أحدُهم

أقلَّ ظلامًا

مما جاء.

ولهذا…

أواصلُ السير،

فالحكمةُ

لا تسكنُ في الرأس،

بل تمشي مع صاحبها

وتُضيءُ خطواتهِ

وإن تكسّرتْ

السنونُ تحت قدميه...