دعيني أرُّد عليكِ السُّؤالْ:
لماذا رحَلتِ؟ وقُلتِ: تَعَالْ!
تظُنينَّ أني أعيشُ النَّعيم!
وقلبي حَزينٌ، وحُزني تِلالْ
أنا مَن وهبتُكِ كل الحُروف
وسافرتُ فيكِ لدنُيا الخَيالْ
وعذّبتُ رُوحي لكي تهنأي
بظلمي وسُهدي وقهرَ الرِّجال
لماذا رَحلتُ؟ ألم تعلَمي
بماذا يُقالُ، وما لا يُقالْ!
صنعنَا حُدوداً على حدِّها
يمُوت الكلامُ، ويحيا الخَبَالْ
ونحنُ الذينَ شقِينا بها
ونحنُ الذينَ أرَدنا النِّزالْ
فلا تغضبي مِن مَمَاتِ الوعود
ولا تغرَقي في بِحارِ الضَّلالْ
ولا تسأليني لماذا أغيب
وأظهرُ في ظُلمةٍ كالهِلالْ
إذا كان حولي عُيُون الزّهور
فقلبي قُبورٌ لتلك الظِّلالْ
صحيحٌ بأنّي عشِقتُ الورود
ومنكِ تعلَّمتُ معنى الدَّلالْ
ولاقيتُ فيكِ جمالَ الربيع
ودفءَ الوصالِ، وعَذبَ المقالْ
ولكنَّ عقلي خريفٌ كبير
وحُزني شتاءٌ، وعِشقي رمالْ
أنا كائنٌ مِن تُرابِ الوُجود
يُكابدُ في عيشِهِ للزَّوالْ
تُحرِّكه نِسمةٌ مِن حَنان
وتهزمُهُ نظرةٌ مِن كمالْ
فلا تطلبيني بذَنبِ الحياة
ولا تظلميني بشيءٍ حَلالْ
ولا تملئيني بحُبِّ السَّراب
فلي رونَقٌ يستلِذُّ الجَلالْ
ولا تمنحيني هدير الرعود
فقلبي كطفلٍ رقيقِ الخصالْ
تركتُ الغَواني فلا تسأليني
وأوقفتُ قلبي على الابتهالْ
وما عُدت أهتَمُّ بالفَاتنات
ولا عادَ قلبي يُريدُ الجَمَالْ!
ولا عُدتُ أرنو لغيرِ الممات
وأمضي حياتي على سُوء حالْ
دعينا نَعِي أنَّنا جاحِدان
صنعنا الرَّحيلَ على غير بَالْ
وقد خالجَتنا ظُنونُ الحياة
وقد عذَّبتنا الليالي الطِوالْ
وقد عاشَرتنا – وفي عُهرها
أحاديثُ مَن أحرمُونا الوصالْ
دعيني فقلبي فراغٌ عظيمٌ
به الحُزنُ يجثو بثُقل الجِبالْ
تناسَيتُ حُبي فكانَ الغِياب
وما عُدت أقوى على الاتصالْ
مُحالٌ نعودُ إلى حيثُ كُنا
ونَنسى جفانا مُحال مُحالْ!!