عَينَاكِ والمَسَاءُ والسَّمَرْ
وبَدرُ شَاكِرٍ يُكابِدُ السَّهرْ
وينتَشِي في رَونَق القَمَرْ
يُخَاطِبُ السَّحَابَ والسَّماءَ والقَدرْ
ويَنتَقي أُنشُودَة المَطَرْ
مَطَرْ... مَطَرْ.. مَطَرْ!
لقَد سَبِقتِ عَصرَنَا
وقَد شَغَلتِ غَيرَنَا
وكُنتِ أنتِ دَائماً تَرنِيمَةَ النَّشِيجِ والبُكَاءِ والمَطَرْ
وصُورَة العِراقِ في مَواسِمِ الثَّمرْ
ومَرّتِ الأيَامُ والأعوَامُ والعُقودْ
كأنَّها رُعُودْ
ولمْ تَزَالي في جُفُونِ غَيمَةٍ
تُشاهِدُ العِرَاقَ والخَليجْ
وتَذرِفُ المَطَرْ
في كُل صَرخَةٍ دَوَّتْ بهَا الرّيَاحْ
وكُل غَيمَةٍ تُلاحِقُ الصَّبَاحْ
وكُل بَسمَةٍ تُخبّئُ الجِرَاحْ
أُنشُودةٌ شَجِيةٌ أنتِ بهَا الخَبَرْ
وأنتِ هَاجِسٌ يُعَاودُ البَشَرْ
ولَوعَةٌ تَظلُ في صَحَائِفِ القُلوبْ
ومَسحَةُ الوُجُومِ في مَلامِحِ الغُروبُ
لا يَستَشِفُ كُنْهَهَا
إلا الذي شَعَرْ
وأدرَكَ الشَّقَاءَ والرَّخَاءَ والخَطَرْ!
أنتِ الحُروفُ في مَوائِدِ الكِتَابِ والقَصِيدْ
وأنتِ كالظِّلالِ في مَفاتِنِ الصُّوَرْ
وأنتِ قِصّةُ الغِيابِ والرَّحِيلْ
تَذوي هُنَاك في المَدَى البَعيْدْ
لتَرتَقي ظَهرَ السَّحَابِ تَارَةً
وتَارَةً لتَرتَوي مِن حُمرَةٍ الأصِيلْ
وسَرمَديٌ عِشقُنا لذَلكَ الكَمَالْ
للضَّوءِ للرِّحَابِ للهُدوءِ للجَمَالْ
للذّكرَياتِ كَم بَنَتْ فينَا
قُصُوراً مِن رِمَالْ
وكُلما تَقابَلَ الخَيالُ بالخَيَالْ
تَفتَّقَتْ عَنهُ قَصَائدٌ كأنَّها ظِلالْ
تُنَاشِدُ السَّماءَ والغُيومَ والمَطَرْ
أنْ يَهطُلَ المَطَرْ
ويَغسلَ القُلوبَ مِن مَواجِعِ القَدَرْ
وعندمَا يُعَاودُ الحَنينَ والغِيَابْ
نَراكِ في السَّرَابْ
وفي النَّخيلِ والسُّهولِ والهِضَابْ
وفي الحَصَادِ والحُقولِ والشِّعَابْ
وفي دُموعِ كُل جَائعٍ يُكابِدُ العَذَابْ
وكُل قَطرَةٍ مَسفُوحَةٍ
مِن أطهَرِ الدِّمَاءْ
أنتِ لنا كَمَاءْ
والَماءُ في حَيَاتِنا مِن أقدَسِ العِبَرْ
وأصدَقِ العِبَرْ
يَظلُّ في دُعَائِنا مِن أولِ البَشَرْ
لأخرِ البَشَرْ
مَطَرْ ... مَطَرْ... مَطَرْ
وأنتِ مثلمّا أنتِ كالسَّرابْ
كالمَاءِ فَوقَ قِيعَةٍ
كالزَّهرِ في اليَبَابْ
كدَمعَةِ الفُراقِ واللقَاءِ
حين تَستَوي على سُطورِ طَيشِنَا
في أولِ الشَّبَابْ
وأنتِ كالعِراقِ
كلما أبصرتُهُ لقيتُ فيهِ جَنَّةَ السَّمَاءِ
في سَلاسِلِ العَذَابْ
لم تَندَمِلْ جِراحُهُ لكنّه لا يَنكَفِئ
يَواجهُ الرِّياحَ والصِّياحَ والصِّعَابْ
تَسمَّرَتْ أنظَارُهُ
تَصحَّرَتْ أوجَانُهُ
تَحجَّرَتْ أحلاُمهُ
فصَارَ كالحَجَرْ
هل تعلمينَ ما يَعيشُهُ العِراقُ مِن فَنَاءِ أهلهِ
ما ليسَ يُحيِيهِ المَطَرْ
يا حُبُنَا الذي يُفجّرُ الحَنِينْ
ويا بَريقَ ضَوئنَا في مَفرِقِ السِّنينْ
ويا سَلاَماً دائماً لكنّهُ حَزينْ
ألمْ يَعُد في أرضِنَا مَن يَغرِسُ الشَّجَرْ!
مَن "ينثُرُ الغِلالَ"
مَن يُعَانِقُ الزَّهَرْ
ومَن "يَصيحُ بالخَليجْ"
"يا وَاهِبَ المَحَارَ" لمْ يعُدْ في حُلمِنَا مَحَارْ
ولمْ يعُد في أرضِنَا ما يُشبِهُ المَطَرْ
على مَشَارِفِ الطَّريقْ حينَ تُجدِبُ الفُصولْ
أشَجَارُنا في كَفِّها تَذاكِرُ السَّفرْ!
سَافرَتِ الفُصُولْ
وكُل خَائِفٍ
وكُل حَالمٍ
وظَلّتْ الرّمالُ وحدَها تَصُولْ
تَحتَضِنُ الجَبَالَ أو تُعانِقَ السُّهولْ
وخَلفَها البُكاءُ والعَويلُ والذُّهولْ
ولمْ يَعُد للنَّهرِ مِن أمَانْ
وانحَسَرَ الفُرَاتْ تَارِكاً مَكانهُ للجَدبِ والرِّياحْ
وأُمَةً عَصِيّةٌ صَلاتُها فَلاحْ
يا رَبَّنَا مَطَرْ ...
يا رَبَّنَا مَطَرْ...
أيَنزِلُ المَطَرْ؟
وفي العُيونِ غَضبَةٌ
وفي القُلوبِ غُصَّةُ
وفي الوجُودِ ألفُ ظَالمٍ يُحاربُ القَدَرْ!
هَرِمتَ يا عِرَاقْ
يا أَوّلَ الشِّقَاقْ
وآخرَ الطَّريقِ حينَ غَادَرَ الرِّفَاقْ
ولمْ يَزَل فيكَ الحَنينُ للبُكاءِ، للعِنَاقْ
وللدُمُوعِ تَغسِلُ القُلوبَ والعُيونْ
مِن غُبرَةِ الخِصَامِ والزَّعَلْ
فَهَل يُعاودُ الأمَلْ!
لمْ تَدَّخرْ لكَ السُنُونُ مِن شَقَاءْ
فَلا فَرِحتَ بَاكِراً
ولا ضَحِكتَ في المَسَاءْ
وكُل عَينٍ وَاحَةٌ في عُتمَةِ الضِّيَاءْ
يَغُوصُ في أحزًانِها النَّجمُ والقَمَرْ
ويَنزِلُ المَطَرْ
يا أيُّها العِراقُ
يا وَاهِبَ الجَمَالْ والرِّجَالْ
قد كُنتَ غَيمَةً تَسِحُّ لا مَحَالْ
ولمْ تَزلْ ذَاخِرَةً رُعُودُكَ الطِّوالْ
فَهَلْ يَستَبسِلُ الأمَلْ
ويَعتَلي جَوَادَ أُمنِيَاتِنَا
مِن دُونِ رَهبَةٍ ودُونَمَا خَجَلْ
نَعُودُ للزَّمَانِ، للمَكَانِ، للأمَانْ
لمَوطِنٍ أحلامُهُ كأنَّها أُنشًودةٌ مَطلُوقَة العِنَانْ
تَأخُذُها الرِّيَاحُ أو قَصَائدُ الرِّثَاءْ
للغَيمِ للسَّمَاءْ
فتَستَوي مَطَرْ
"ويَهطُلُ المَطَر"
ونَحتَفي: مَطَر!