اليومَ يا أُمّي غدوتُ مُحطَّمًا
والقلبُ من وَحشِ الجراحِ يُكابِدُ
أمشي ولا أدري الطّريقَ كأنّني
طَيفٌ تكسَّرَ في المدى ويُبْعَدُ
أبكي ويخنقني السُّكونُ كأنّهُ
بحرٌ بلا شاطئٍ يفيضُ ويُرْهِقُ
كلُّ الوجوهِ من حولِ قلبي أُطفِئتْ
وكأنّها ليلٌ يذوبُ ويُفْقَدُ
ناديتُهم: يا صحبَ عمري إنّني
أصغي فلا صوتٌ يجيبُ ويَجْحَدُ
كم كنتُ أزرعُ في القلوبِ مَودَّةً
واليومَ لا أرضٌ لزرعي تُولَدُ
من لي إذا ضاقتْ عليَّ مسالكٌ
وتكسّرتْ في دربِ أيّامي الغَدُ
من لي إذا خانَ القريبُ ودادَهُ
وتحوّلَ الإخلاصُ فيه إلى رَمَدُ
يا أمُّ إني قد فقدتُ قبائلي
حتى غدوتُ بلا رفيقٍ يُسْنِدُ
أمشي على جمرِ الحنينِ مُثقّلًا
والذكرياتُ على الفؤادِ تُوقَدُ
ما عادَ لي في الناسِ وجهُ مَودَّةٍ
كلٌّ يمرُّ كأنّني لا أُوجَدُ
صارتْ حياتي غربةً مُتواصلةً
والليلُ في صدري الطويلُ يُمْتَدُ
أُخفي انكساري كي أُرى مُتماسكًا
لكنّ جرحَ الروحِ فيّ يُجَسَّدُ
حتى ابتسامتي التي أستظلُّها
صارت قناعًا للهمومِ يُقَيَّدُ
يا أمُّ إنّ الحزنَ أثقلَ كاهلي
حتى غدوتُ من الأسى أتجمّدُ
أبكيكَ يا زمنَ الأمانِ فإنّني
قد ضاعَ منّي في الزحامِ المُسْعَدُ
كم كنتُ أرجو أن أرى من صحبتي
ظلًّا يَصونُ الودَّ حينَ يُفَقَّدُ
لكنّهم تركوا الفؤادَ مُشرَّدًا
كالسفحِ تتركه الرياحُ ويُبْعَدُ
يا ليتَ قلبي لم يُصدّق وُدَّهُم
فالودُّ في دنيا الخذولِ يُجَرَّدُ
أمضي أُناجي ليلَ صمتي باكيًا
والليلُ مثلي في الظلامِ يُنْهِدُ
أمّي إذا طالَ العذابُ بمهجتي
فاحضنْ فؤادي إنّهُ يتشرّدُ
أحتاجُ دفءَكِ كي أعودَ لذاتي
فالروحُ من بردِ الحياةِ تُوَلَّدُ
لا صديقَ يبقى حين يشتدُّ الأسى
إلّا دعاءُ الأمِّ حينَ يُسْعِدُ
فانهضي بالدعواتِ يا أُمّي لعلّي
أُشفى ويُجبرُ في الضلوعِ المُبْعَدُ
قد صرتُ يا أُمّي يتيمَ مشاعري
والقلبُ من وجعِ الحياةِ يُفْرَدُ
فابقي دعاءً في السماءِ يحوطُني
فبغيرِ دعوةِ أُمِّ قلبٌ يَشْهَدُ