قدْ بِتُّ أَحمِلُ ما لا يَحمِلُ الجَبَلُ
همٌّ يَضيقُ به صدري ويَشتَعِلُ
إنِّي لَأكتُمُ ما في القلبِ مِنْ وَجَعٍ
فَيَأمُرُ الشِّعْرُ أنْ أُبْدي فَأَمتَثِلُ
وإنَّ لِلشِّعرِ سُلطانٌ يُمَكِّنُهُ
مِنْ أنْ يَبوحَ بما في الصَّدرِ يَعتَمِلُ
هي اللَّواعِجُ في الأحشاءِ قدْ ضُرِمَتْ
ولا تُبارِحُ جِسمي إثْرَها العِلَلُ
أَبِيتُ منها طوالَ اللَّيلِ مُنفَرِداً
أُهادِنُ الحُزْنَ كَيْ لا يُقْتَلَ الأَمَلُ
يَقولُ لي عاذِلي إذْ ليسَ يَفهَمُني
كَفاكَ ما أنتَ فيهِ اليَومَ يا رَجُلُ
هَيْهاتَ يَفْهَمُ مِثْلي مِثلُهُ أَبَداً
وكَمْ يُحِيطُ بِمثْلي ذلكَ العَذَلُ
لِذا اعْتَزَلتُ الوَرى فالقلبُ في شُغُلٍ
عَنهُمْ وما لي بِأشغالِ الوَرى شُغُلُ
حربُ التَّفاخُرِ بالأموالِ تُشْغِلُهُمْ
وليسَ لي ناقَةٌ فيها ولا جَمَلُ
لديَّ حربٌ مع الأيّامِ جارِيَةٌ
منذُ الوِلادَةِ حتَّى ينتَهي الأَجَلُ
حربٌ ضَروسٌ تُرِي الفُرسانَ مَصْرَعَهُمْ
ولا يُميَّزُ فيها الصَّامِدُ البَطَلُ
أُصارِعُ الدَّهرَ والأيَّامُ تَغلِبُني
هذا لَعَمْري صِراعٌ ليسَ يُحتَمَلٌ
إنِّي رأَيتُ نُيُوبَ الدَّهرِ بارِزَةً
مُبتَلَّةً بِدَمي والنَّاسُ قدْ أُكِلُوا
أرى المَنايا تُوافينا عَلى عَجَلٍ
والكُلُّ مُنْذَهِلٌ من هولِها وَجِلُ
أرى رِجالاً تَهُزُّ الأَرضَ صَرخَتُهُمُ
وأَنْفُساً بعدَ عِزٍ ذَلَّها الكَلَلُ
ودولةً كانَتِ الأَمجادُ تَحرُسُها
فأَصْبَحَتْ لُعْبَةً تَلهو بِها الدُّوَلُ
ونَكْبَةً في بِلاد الشَّامِ قائِمَةً
والعَوْنُ مُنْعَدِمٌ والشَّعبُ مُنْخَذِلُ
أرى المَنِيةَ لا ترضى بِنا بَدَلاً
والدَّهرُ ليسَ له في غيرِنا عَمَلُ
والنَّفسُ كالدَّارِ ترضى بِالفِرَاقِ على
أنْ لا يَموتَ لها رَسْمٌ ولا طَلَلُ
يُحاوِلُ الدَّهرُ أنْ يَمْحو لنا أَثَراً
لَكِنَّهُ خَلْفَنا ماضٍ بهِ الأَجَلُ
حَسبي منَ الدَّهْرِ أنَّ الدَّهْرَ مُنْهَزِمٌ
يومَ القِيامَةِ إذْ يَفْنى وَيَرْتَحِلُ