لِمَنْ بِطُلُولِ الأَبْرَقَيْنِ مُقامُ
يَلُوحُ كَما فِي الزَّنْدِ لاحَ وِشامُ
تَحَمَّلَ أَهْلُوهُ فَأَضْحَتْ أَوانِساً
بِهِ غِزْلَةٌ مِنْ بَعْدِهِمْ وَنَعامُ
فَيا لَكَ مِنْ رَسْمٍ قَدِيمٍ عَفا وَمِنْ
مُقامٍ لَهُ وَسْطَ الفُؤادِ مُقامُ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ سُعادُ مَعَ النَّوَى
يَلَذُّ لَها بَعْدَ الفِراقِ مَنامُ
فَما بالُها طالَ الزَّمانُ بِبَيْنِها
وَلَمْ يُهْدَ مِنْها لِلْكَئِيبِ سَلامُ
فَإِنْ أَنِفَتْ وَاسْتَحْرَمَتْ وَصْلَها لَنا
فُقُولُوا لَها لَيْسَ السَّلامُ حَرامُ
وَإِنْ دامَ هذا الهَجْرُ مِنْها فإِنَّنِي
أَظُنُّ لِنَفْسِي لا يَدُومُ دَوامُ
فَوا عَجَباً لَمْ تُسْلِنِيها مَلامَةٌ
وَلَمْ تُنْسِنِيها زَيْنَبٌ وَحَذامُ
لَقَدْ مُزِجَتْ مِنِّي بِماءِ وِدادِها
جُلُودٌ وَلَحْمٌ بَلْ دَمٌ وَعِظامُ
وَإِنْ تَكُ قَتْلِي قَدْ أَرادَتْ فَلَيْسَ لِي
سِوَى ما أَرادَتْ ما حَيِيتُ مَرامُ
وَبِي ظَمَأٌ لَوْلا التَّعِلاَّتُ لانْقَضَتْ
بِهِ عِيشَتِي مِنْ حَيْثُ لَجَّ أُوامُ
لَقَدْ رَتَقَتْ بِالحُبِّ فَتْقَ مَسامِعِي
عَنْ السَّمْعِ حَتَّى لَمْ يَلِجْهُ مَلامُ
وَمُذْ عَلِمَتْ أَنِّي أَرَى مِنْ خَيالِها
وِصالاً إِذا ما زارَ وَقْتَ أَنامُ
قَضَتْ فِي الهَوَى أَنْ لَمْ تَذُقْ عَيْنِيَ الكَرَى
مَدَى الدَّهْرِ خَوْفاً أَنْ يَزُورَ لِمامُ
تَجَلَّتْ لَنا بِالحُسْنِ كالشَّمْسِ أَشْرَقَتْ
وَزايَلَها لِلْمُبْصِرِينَ جَهامُ
وَأَبْدَتْ لَنا وَرْدَ الخُدُودِ كأَنَّهُ
مِنَ الوَرْدِ زَهْرٌ فُتَّ عَنْهُ كِمامُ
فَأَرْسَلْتُ أَلْحاظِي إِلَى ضَوْءِ وَجْهِها
لِتَرْتَعَ فِيهِ وَاللِّحاظُ سَوامُ
وَماسَ بِها سُكْرُ الصِّبا فَكَأَنَّما
لَها مِنْ قَوامِ الخَيْزُرانِ قَوامُ
لَذِيذَةُ تَرْشافِ الرُّضابِ كَأَنَّما
بِفِيها زُلالٌ بارِدٌ وَمُدامُ
وَلَمْ أَنْسَ مِنْها وَقْفَةً يَوْمَ وَدَّعَتْ
غَداةَ اسْتُقِلَّتْ لِلظَّعِينِ خِيامُ
غَداةَ سَعِيرُ الشَّوْقِ يَصْلَى قُلُوبَنا
وَأَدْمُعُنا فَوْقَ الخُدُودِ سِجامُ
غَداةَ نُشاكِيها الغَرامَ وَلَمْ يَكُنْ
لَنا غَيْرَ تَصْرِيحِ الدُّمُوعِ كَلامُ
وَقَدْ ذابَتْ الأَكْبادُ مِنَّا وَأُجِّجَتْ
لَظَىً لِلْجَوَى فِينا وَشَبَّ ضِرامُ
وَقَدْ بَلَّ فَيْضُ الدَّمْعِ وَرْدَ خُدُودِها
كَما طَشَّ فِي زَهْرِ الرِّياضِ رِهامُ
تُلاحِظُنِي وَالخَوْفُ يَكْسِرُ لَحْظَها
فَتَرْشُقُ قَلْبِي كالسِّهامِ سِهامُ
وَتَنْظُرُنِي شَزْراً وَقَدْ حالَ دُونَها
وَمِيضُ المَواضِي وَالرِّكابُ قِيامُ
وَحَفَّ بِها مِنْ آلِ شَمْسٍ عِصابَةٌ
لِسُمْرِ العَوالِي بالنُّفُوسِ كِرامُ
فَقُرْبِي لَها إِذْ هُمْ يُحامُونَ بِالقَنا
عَلَيْها حِمامٌ وَالبِعادُ حِمامُ
فَوَيْلاهُ لِي فِي قُرْبِها مِنْ حُماتِها
وَفِي البُعْدِ مِنْها إِنْ أَلَحَّ غَرامُ
أَأَهْلَ الهَوَى بُثُّوا الغَرامَ وَصَرِّحُوا
فَإِنِّي لَكُمْ فِيما أَبُثُّ إِمامُ
وَلِلَّهِ مِنِّي حَيْثُ أَمَّتْ رَكائِبِي
هَوَىً لَمْ يُدَنِّسْهُ لَدَيَّ أَثامُ
جَنَيْتُ بِهِ أَثْمارَ لَهْوٍ وَلَذَّةٍ
وَإِنْ كانَ لِي مِنْهُ ضَنَىً وَسَقامُ
فَأَفْنَى وَما أَفْنَيْتُهُ فَكأَنَّما
لَهُ مِنْ فَلاحٍ عِصْمَةٌ وَذِمامُ
هُوَ القُطْبُ قُطْبُ المُلْكِ وَالمَجْدِ وَالعُلا
وَإِنْ جَمَحَ الباغُونَ فَهوَ لِجامُ
حُسامٌ لَهُ مِنْ عَزْمِهِ وَمَضائِهِ
حُسامٌ وَمِنْ نَصْلِ الحَدِيدِ حُسامُ
إِذا ما تَجَلَّى بِالجَلالِ تَطَأْطَأَتْ
هُنالِكَ تِيجانٌ لَدَيْهِ وَهامُ
بِهِ اطَّاوَدَتْ لِلْمُلْكِ أَطْوادُ عِزَّةٍ
وَشُيِّدَ أَبْراجٌ وَنافَ سَنامُ
فَعَظِّمْهُ تَعْظِيماً يَجِلُّ فَإِنَّهُ
هُمامٌ إِلَى العَلْيا نَماهُ هُمامُ
تَوَلَّدَ مِنْهُ الفَضْلُ وَالبُؤْسُ مِثْلَما
مِنَ الصِّلِّ تِرْياقٌ وَفِيهِ سِمامُ
فَلَيْسَ لَهُ فِي غايَةِ المَجْدِ مُشْبِهٌ
وَهَلْ يُشْبِهُ العَضْبَ الحُسامَ كَهامُ
سَحابُ نَدَىً فِي أَزْمَةِ المَحْلِ قَطْرُهُ
جِيادٌ وَتِبْرٌ لِلْوُفُودِ وِسامُ
يُضِيءُ بِنُورِ الفَخْرِ يُمْنٌ وَيَسْرَةٌ
وَخَلْفٌ لَهُ حَيْثُ انْتَحَى وَأَمامُ
إِذا نَحْنُ آنَسْنا سَنا بَرْقِ جُودِهِ
تَجَلَّتْ غَياباتٌ وَزالَ قَتامُ
حَقِيقٌ يَحِنُّ الجِذْعُ شَوْقاً لِوَجْهِهِ
وَيَسْعَى إِلَيْهِ بِالظِّلالِ غَمامُ!
فَيا لَكَ بَدْراً بازِغاً قَدْ تَكامَلَتْ
صِفاتُ المَعالِي فِيهِ فَهوَ تَمامُ
وَشَمْساً تَجَلَّتْ بِالهُدَى وَانْجَلَتْ بِها
غَياهِبُ جَهْلٍ دامِسٍ وَظَلامُ
وَبَحْراً لُهاماً يَقْذِفُ الدُّرَّ لَمْ يَكُنْ
يُقاسُ بِهِ بَحْرٌ لَدَيْهِ لُهامُ
وَطَوْدَ حِجاً فِي الحِلْمِ أَرْكانُهُ رَسَتْ
يَخِفُّ لَدَيْهِ يَذْبُلٌ وَشَمامُ
إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ لَفْظاً كأَنَّهُ
جُمانٌ نَماهُ لِلكَعابِ نِظامُ
فَإِنَّكَ مِنْ دُونِ الأَنامِ لَسَيِّدِي
كَما أَنَّنِي مِنْ دُونِهِمْ لَغُلامُ
بَذَلْتَ تَلِيدَ المالِ لِي وَطَرِيفَهُ
وَرَفَّهْتَ حالِي وَالزَّمانُ عَقامُ
وَأَمْدَدْتَ لِي ظِلاًّ مِنَ العِزِّ وَالحِمَى
عَلَى رَغْمِ حُسَّادِي فَلَسْتُ أُضامُ
وَأَحْيَيْتَنِي بِالفَضْلِ مِنْكَ كَما حَيِي
بِواكِفِ غَيْثِ المُعْصِراتِ بَشامُ
وَطَوَّقْتَنِي أَطْواقَ نُعْماكَ مِثْلَما
تَطَوَّقَ بِالطَّوْقِ التَّلِيدِ حَمامُ