هذهِ جدّةُ نورسِ الشرقِ...
عروسُ البحارِ
قنديلُ الحياةِ إذا انطفأتْ في مرافئِنا الريحُ
تفتحُ صدرَ الموجِ مثلَ كتابٍ قديمٍ
وتكتبُ أسماءَنا على زرقةِ الأبدِ المنسيّ...
هذهِ جدّةُ...
حينَ تمشي على الرملِ
يخجلُ الملحُ من قدمَيْها
وتنحني القهوةُ في المقاهي
كأنّ المذاقَ تعلّمَ منها معنى الحنانِ...
تأتيكِ من جهةِ البحرِ امرأةٌ لا تشبهُ النساءْ
تسكنُ في قُبَلِ الضوءِ
وفي هدأةِ الغيمِ
وفي انكسارِ السفنِ العائدةِ بلا مرافئْ
تقولُ: تعالوا...
ففي صدري اتساعُ الجهاتِ الأربعِ
وفي عينيَّ بحرٌ إذا ضاقَ بالبحرِ صارَ سماءْ...
هذهِ جدّةُ...
إذا ضحكتْ
تسقطُ من شرفاتِ الليلِ نجومٌ صغيرةْ
وتصيرُ المآذنُ أكثرَ بياضًا
ويصيرُ الأذانُ أقربَ إلى قلبِ الطفلِ النائمِ
من حليبِ أمّهِ...
هنا البحرُ لا يُحسنُ الغيابْ
كلّما حاولَ الرحيلَ
شدّتْهُ جدّةُ من أهدابِ الموجِ
وقالتْ لهُ:
أينَ تذهبُ؟
هنا وُلدتَ...
وهنا تتعلّمُ أن تكونَ ماءً بلا خوفْ...
هذهِ جدّةُ...
امرأةٌ من ضوءٍ وملحْ
تمشطُ شعرَ النهارِ
وتزرعُ في كلِّ شارعٍ نخلةً
وفي كلِّ نخلةٍ قصيدةً
وفي كلِّ قصيدةٍ عاشقًا لا يعرفُ النهايةْ...
وحينَ يمرُّ المساءُ على كورنيشِها
تخلعُ الشمسُ حذاءَ التعبِ
وتجلسُ على كتفِ البحرِ
كأنّها عادتْ إلى أمّها الأولى...
في جدّةَ...
لا شيء يموتُ كما يموتُ في المدنِ الأخرى
حتى الحزنُ
هنا
يتعلّمُ أن يكونَ أخفَّ
أن يتحوّلَ إلى موجةٍ صغيرةٍ
تضحكُ ثم تختفي...
هذهِ جدّةُ نورسِ الشرقِ...
كلّما ناديتها
قالتْ لي البحرُ: كنْ خفيفًا
فالمدنُ الجميلةُ
لا تُحملُ إلا بالحبّ...