تخطَّ إلى المحتوى

يا من له قلبي المعنى قد عني

الرجز

١٢٠ بيت

النسيب

يَا مَنْ لَهُ قَلْبِي المُعَنَّى قَدْ عُنِي

رِفْقاً بِصَبٍّ فِي هَوَاكَ مُرَوَّعِ

أَبْصَرْتُ نُوراً فِي جَبِينِكَ سَاطِعاً

فَظَنَنْتُ أَنَّ الشَّمْسَ تَمْشِي مَعِي

مَا حِيلَتِي وَالوَجْدُ يَهْدِمُ مُهْجَتِي

وَالشَّوْقُ يُجْرِي فَيْضَ دَمْعٍ هَمِعِ

أَسْقَيْتَنِي كَأْسَ المَحَبَّةِ صِرْفَةً

فَغَدَوْتُ مِنْ خَمْرِ الغَرَامِ بِمَصْرَعِ

يَا غُصْنَ أُنْسٍ فِي رِيَاضِ مَحَاسِنٍ

أَنْتَ المُرَادُ لِخَافِقِي وَمَطْمَعِي

لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا أُكَابِدُ فِي الدُّجَى

لَرَثَيْتَ لِي مِنْ بَعْدِ طُولِ تَوَجُّعِ

أَنَا ذَلِكَ العَبْدُ الذِي طَالَ المَدَى

يَرْجُو الوِصَالَ بِقَلْبِهِ المَتَضَرِّعِ

حُسْنٌ بَدَا لِلنَّاظِرِينَ فَهَيَّمُوا

عَقْلَ اللَّبِيبِ وَكُلَّ قَلْبٍ أَوْرَعِ

يَا لَيْلُ حَدِّثْ مَنْ أُحِبُّ بِأَنَّنِي

لَمْ أَنْسَ عَهْداً فِي هَوَاهُ بِمَرْفَعِ

فَاحْكُمْ بِمَا تَهْوَى فَأَنْتَ مَلِيكُهُ

إِنِّي لِحُكْمِكَ طَائِعٌ فِي مَضْحِعِي

عَجَبِي لِطَيْفٍ زَارَنِي فِي هَجْعَتِي

أَحْيَا بِيَ الآمَالَ بَعْدَ مَصْرَعِي

يَا ظَبْيَ أُنْسٍ فِي الفَلَاةِ مَحَلُّهُ

أَسْكَنْتُ حُبَّكَ فِي جِوَارِ الأَضْلُعِ

لَوْ قِيلَ لِي مَا تَشْتَهِي فَقُلْتُ أَنْ

يَبْقَى الحَبِيبُ بِمَنْظَرِي وَمَسْمَعِي

صَوْتُ النَّسِيمِ إِذَا سَرَى بِذِكْرِكُمْ

أَطْرَبْتُ نَفْسِي فِي مَكَانٍ مُمْتِعِ

نَادَيْتُ مَنْ أَسْرَى بِيَ الشَّوْقُ لَهُ

يَا جَنَّةَ الدُّنْيَا وَخَيْرَ مَرْتَعِ

لَا تَعْجَبُوا مِنْ أَدْمُعِي فَأَقَلُّ مَا

يُبْدِي المُحِبُّ سَجَامُ هَذَا المَدْمَعِ

أَنْتَ الذِي صَيَّرْتَ عَيْشِي طَيِّباً

فَإِذَا نَأَيْتَ فَمَا لَهُ مِنْ مَرْجِعِ

قَدْ عِشْتُ أَبْنِي فِي الغَرَامِ مَعَالِماً

حَتَّى غَدَوْتَ بِحُسْنِ وَجْهِكَ مَنْبَعِي

إِنِّي سَأَبْقَى فِي هَوَاكَ مُرَابِطاً

صَبْراً عَلَى الحِرْمَانِ غَيْرَ مُجَزَّعِ

هَذِي القَصَائِدُ فِي عُلَاكَ نَظَمْتُهَا

عُقْدَاً نَظِيراً لِلْجَمَالِ الأَرْفَعِ

دَعْ عَنْكَ لَوْمِي فِي هَوَاهُ فَإِنَّنِي

أَصْبَحْتُ مِنْ عِشْقِي لَهُ فِي مَوْضِعِ

يَا سِحْرَ نَظْرَتِهِ الَّتِي أَوْدَتْ بِنَا

مَا بَيْنَ إِقْبَالٍ وَبَيْنَ تَمَنُّعِ

إِنِّي أَرَى فِي البُعْدِ نَاراً تَصْطَلِي

بَيْنَ الحَنَايَا فِي فُؤَادٍ مُوجَعِ

طَالَ انْتِظَارِي لِلْقَاءِ وَلَمْ يَزَلْ

قَلْبِي يُنَادِي بِالنِّدَاءِ الأَوْسَعِ

مَا زِلْتُ أَذْكُرُ يَوْمَ وَدَّعَنِي الضُّحَى

فِي رَوْضَةٍ مَحْفُوفَةٍ بِالمَنْزَعِ

يَا مَنْ يُعَانِدُ فِي المَحَبَّةِ قَلْبَهُ

هَلْ لِلْمُتَيَّمِ عَنْ هَوَاكَ مِنْ نَزِعِ؟

سَافَرْتُ فِيكَ وَمَا وَصَلْتُ لِغَايَةٍ

فَأَنْتَ بَحْرٌ لَيْسَ لَهُ مِنْ مَقْطَعِ

صُغْنَا المَعَانِيَ فِي جَمَالِكَ آيَةً

تُتْلَى بِأَلْحَانِ الشَّجِيِّ المَوْلَعِ

أَمْطِرْ عَلَى رُوحِي وِصَالاً إِنَّنِي

أَضْحَيْتُ مِثْلَ الرَّوْضِ غَيْرَ المُمْرِعِ

لَا لَنْ أَمَلَّ مِنَ الوَفَاءِ وَإِنْ نَأَى

بَدْرِي وَغَابَ عَنِ المَدَارِ الأَنْصَعِ

أَهْلاً بِوَجْهِكَ بَعْدَ طُولِ تَغَرُّبِ

فِي لَحْظَةٍ تَشْفِي لَهِيبَ الأَدْمُعِ

عَاتَبْتُ طَيْفَكَ فِي الغِيَابِ كَثِيراً

بَيْنَ الحَنَايَا وَالفُؤَادِ الخُشَّعِ

يَا لَائِمِي فِي حُبِّهِ كُفَّ المَلَامَ

فَقَدْ بَدَا كَالبَدْرِ دُونَ تَقَنُّعِ

قَالَتْ وَقَدْ رَفَعَتْ لِحَاظاً نَحْوَنَا

أَمَا لِهَذَا الهَجْرِ بَعْدُ مِنْ رَدْعِ؟

فَقُلْتُ ذَنْبِي أَنَّ قَلْبِي عَاشِقٌ

يَهْوَاكِ رَغْمَ صُدُودِكِ المُتَصَنَّعِ

كَمْ ذَا جَفَوْتِ وَأَنْتِ تَعْلَمِينَ بِمَا

يَلْقَاهُ صَبٌّ فِي الغَرَامِ المُرْدِعِ

مَا كَانَ عَهْدُكِ أَنْ تَكُونِي قَاسِياً

مَا لِلْجَمَالِ وَقَسْوَةِ المُتَمَنِّعِ؟

لَكِنَّ لَحْظَةَ هَذَا اللِّقَاءِ تَمْحُو

كُلَّ العَذَابِ وَمُرَّ كُلِّ تَجَرُّعِ

ضُمَِّي جِرَاحِي بِالوِصَالِ فَإِنَّهَا

بَاتَتْ تُنَادِي فِي الزَّحَامِ المُفْزِعِ

يَا عَيْنُ قُرِّي بِالحَبِيبِ فَإِنَّهُ

شَمْسُ الصَّبَاحِ بِكُلِّ طَرْفٍ مُمْنِعِ

أَدْنُو إِلَيْكِ وَفِي عُيُونِيَ لَهْفَةٌ

كَادَتْ تُبِيحُ بِمَا طَوَاهُ مَخْدَعِي

يَا لَيْلَةَ الوَصْلِ الَّتِي طَالَ المَدَى

نَرْجُو سَنَاهَا فِي العَشِيِّ المُنْقِعِ

كَمْ قُلْتِ لِي لَمَّا التَقَيْنَا هَمْسَةً

تَنْسابُ مِثْلَ العِطْرِ دُونَ تَدَفُّعِ

مَا بَالُ قَلْبِكَ قَدْ أَطَالَ عِتَابَهُ

وَغَدَا بِحُبِّي كَالغَرِيقِ المُرْبَعِ

فَأَجَبْتُهَا وَالكَأْسُ تَرْقُصُ بَيْنَنَا

أَنْتِ الشِّفَاءُ لِكُلِّ قَلْبٍ مُضْرَعِ

لَمَسَتْ يَدِي يَدَهَا فَطَارَ لُبَابُنا

مِثْلَ السَّرَابِ بِكُلِّ فَجٍّ بَلْقَعِ

هَذَا العِنَاقُ بَيَانُ كُلِّ مَوَدَّةٍ

وَنِهَايَةٌ لِلْخَوْفِ وَالمُتَفَزِّعِ

ضَحِكَتْ فَمَالَتْ لِلْغُصُونِ بَرَاعَةٌ

تَغْزُو الفُؤَادَ بِسِحْرِ هَذَا المَنْزِعِ

مَا طَابَ لِي عَيْشٌ سِوَاكِ فَقَرِّبِي

كُلَّ المَسَافِ وَبَدِّدِي مَا أَدْعِي

إِنَّا خُلِقْنَا لِلْغَرَامِ كَمَا يُرَى

نَبْضُ الحَيَاةِ بِكُلِّ صَدْرٍ أَنْزَعِ

وَتَمَايَلَتْ مِثْلَ القَضِيبِ نَعَامَةً

تَخْتَالُ تِيهاً فِي طِرَازٍ مُبْدَعِ

سَأَلَتْ بِرِقَّةِ ثَغْرِهَا لَمَّا رَنَتْ

أَتَرَى جَمَالِي فِي الغَرَامِ بِمَقْنَعِ؟

فَأَجَبْتُ: هَيْهَاتَ الظِّمَاءُ تَرُدُّنِي

وَأَنَا أَرَى جَدْوَى الزُّلَالِ المُنْبَعِ

يَا فِتْنَةً لَوْ جَسَّدَتْ مَعْنَى الهَوَى

لَمْ يَبْقَ عَقْلٌ فِي المَلَاءِ المَجْمَعِ

خَلَعَتْ خِمَارَ الصَّدِّ عَنْ أَشْوَاقِهَا

فَبَدَتْ نَعِيماً لِلْمُحِبِّ الأَنْصَعِ

وَتَنَفَّسَ الفَجْرُ الوَلِيدُ بَيْنَنَا

فَارْتَدَّ قَلْبِي فِي مَلاذٍ أَمْنَعِ

قُلْ لِلْعَذُولِ: اغْمِدْ نِصَالَ مَلَامَةٍ

فَنَحْنُ فِي أُنْسٍ بِخَيْرِ مُشَيَّعِ

لَا نَسْتَفِيقُ مِنَ العِنَاقِ بَرَهَةً

إِلَّا لِنَنْهَلَ مِنْ رِضَابٍ مُشْبِعِ

حُسْنٌ يُحَيِّرُ كُلِّ فِكْرٍ ثَاقِبٍ

وَيَهُزُّ أَرْكَانَ المَكَانِ الأَرْوَعِ

بَاتَتْ تُحَدِّثُنِي العُيُونُ بِمَا جَرَى

فِي غَيْبَةٍ كَانَتْ لِقَلْبِي تُفْزِعِ

وَتَأَمَّلَتْ فِيَّ العُيُونُ فَخِلْتُهَا

سِهَامَ لَحْظٍ فِي الحَشَا لَمْ تُرْدِعِ

خَدٌّ أَسِيلٌ كَالشَّقِيقِ نَضَارَةً

يَزْهُو بِلَوْنٍ فِي المَحَاسِنِ مُطْمِعِ

وَالشَّعْرُ لَيْلٌ سَادِلٌ فَوْقَ المَهَا

يُخْفِي الضِّيَاءَ بِكُلِّ طَيٍّ مُتْرَعِ

تَمْشِي فَيَهْتَزُّ الدَّلَالُ بِقَدِّهَا

مَشْيَ الغَمَامِ بِكُلِّ رَوْضٍ مُمْرِعِ

سُبْحَانَ مَنْ أَعْطَى الجَمَالَ لِوَجْهِهَا

تَاجاً عَلَى كُلِّ الأَنَامِ مُرَفَّعِ

لَوْ مَسَّ بَرْدُ يَمِينِهَا صَخْراً لَمَا

أَبْقَى عَلَيْهِ بِقَسْوَةٍ وَتَصَدُّعِ

كَمْ فِيكِ مِنْ سِرٍّ يَحَارُ لِفَهْمِهِ

عَقْلُ اللَّبِيبِ وَكُلُّ فِكْرٍ مُبْدِعِ

أَنْتِ الغِنَاءُ لِكُلِّ صَبٍّ هَائِمٍ

يَشْدُو بِذِكْرِكِ فِي المَقَامِ الأَرْفَعِ

لِلَّهِ دَرُّكِ مِنْ غَزَالٍ شَادِنٍ

يَسْبِي القُلُوبَ بِكُلِّ ثَغْرٍ أَدْعَعِ

قَدْ صِرْتِ لِي كُلَّ الحَيَاةِ وَأُنْسَهَا

فِي كُلِّ حِينٍ لِلْوِصَالِ مُرَجِّعِي

دَارَتْ كُؤُوسُ الرَّاحِ بَيْنَ جَوَانِحِي

فِي كَفِّ مَنْ أَهْوَى بِخَيْرِ مُشَعْشَعِ

صَبَّتْ لَنَا مِنْ خَمْرَةٍ بَلُّورَةٍ

تُنْسِي الحَزِينَ مَرَارَةَ المُتَجَرِّعِ

قَالَتْ وَفِي أَجْفَانِهَا سِرُّ الهَوَى

اشْرَبْ هَنِيئاً مِنْ يَدِي وَتَمَتَّعِ

هَذَا النَّعِيمُ بِمَا جَنَيْنَا قُرْبَةً

بَعْدَ النَّوَى وَبِكُلِّ عَيْنٍ خُمَّعِ

فَأَجَبْتُهَا: يَا نُورَ عَيْنِي إِنَّنِي

ثَمِلٌ بِحُبِّكِ قَبْلَ صَبِّ الأَكْرُعِ

مَا طَابُ شُرْبٌ لَا تَكُونِي رُوحَهُ

أَوْ لَا يَكُونُ بِطِيبِ ذَاكَ المَرْبَعِ

بَاتَ الحَدِيثُ يَرِقُّ حَتَّى خِلْتُهُ

هَمْسَ النَّسِيمِ بِرَوْضِهِ المُسْتَرْجَعِ

نَحْكِي عَنِ الأَشْوَاقِ كَيْفَ تَسَعَّرَتْ

فِي غَيْبَةٍ كَانَتْ لِقَلْبِي مُوجِعِ

يَا لَيْلَةً جَمَعَتْ شَتَاتَ مَوَدَّةٍ

بَيْنَ الحَبِيبِ وَبَيْنَ صَبٍّ خُضَّعِ

لَا تَنْقَضِي كَيْ لَا يَزُولَ سُرُورُنَا

وَنَظَلَّ دَوْماً فِي جِوارٍ أَرْفَعِ

أَفْضَتْ إِلَيَّ بِمَا يُكِنُّ ضَمِيرُهَا

فِي هَمْسَةٍ طَابَتْ لِكُلِّ مُسَمِّعِ

قَالَتْ: فُؤَادِي مُنْذُ يَوْمِ فِرَاقِنَا

بَاتَ الغَرِيقَ بِدَمْعِهِ المُتَدَفِّعِ

كَمْ كُنْتُ أَرْقُبُ فِي النُّجُومِ سَمِيَّةً

لِخَيَالِ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الأَنْصَعِ

فَأَجَبْتُهَا وَالوَجْدُ يَمْلِكُ مَنْطِقِي

يَا كُلَّ كُلِّي فِي المَقَامِ الأَجْمَعِ

مَا غِبْتِ عَنْ عَيْنِي وَإِنْ طَالَ النَّوَى

إِلَّا لِأَلْقَاكِ بِقَلْبٍ أَوْسَعِ

أَسْرَارُنَا صَارَتْ تَمِيمَةَ حُبِّنَا

نَحْمِي بِهَا المِيثَاقَ مِنْ مُتَزَعْزِعِ

بُحْنَا بِمَا طَالَ السُّكُوتُ بِحَمْلِهِ

مِنْ كُلِّ شَوْقٍ فِي الحَنَايَا مُودَعِ

مَا كَانَ أَجْمَلَهُ حَدِيثاً رَائِقاً

يَشْفِي غَلِيلَ الهَائِمِ المُلْتَذِعِ

عَهْدِي بِكُمْ أَنَّ الوَفَاءَ طَبِيعَةٌ

تُنْجِي المَحَبَّةَ مِنْ لِسَانِ المُنْذِعِ

فَاسْتَبْشِرِي يَا رُوحُ أَنَّا هَا هُنَا

فِي جَنَّةٍ لَيْستْ بِذَاتِ تَقَطُّعِ

أَمَالَتِ الرَّأْسَ الرَّقِيقَ لِتَسْمَعِي

خَفَقَانَ قَلْبٍ فِي الهَوَى لَمْ يَهْجَعِ

قَالَتْ: أَتَخْشَى أَنْ يَخُونَ زَمَانُنَا

وَنَعُودَ لِلْأَحْزَانِ بَعْدَ المَجْمَعِ؟

فَقُلْتُ: لَا، هَيْهَاتَ يَقْرَبُنَا الرَّدَى

مَا دَامَ حُبُّكِ فِي دَمِي كَالمَنْبَعِ

إِنَّ العُهُودَ الوَاثِقَاتِ مَنَارَةٌ

تَهْدِي السَّفِينَ بِكُلِّ بَحْرٍ مُفْزِعِ

فَأَسَرَّتِ القَوْلَ الذِي فِيهِ الشِّفَا

فِي هَمْسِ صَبٍّ بِالوَفَاءِ مُقَنَّعِ

مَا كُلُّ مَنْ ذَاقَ الغَرَامَ بِمُقْدِعِ

سِرَّ التَّنَاجِي فِي المَقَامِ الأَرْفَعِ

أَنَا أَنْتَ فِي رُوحٍ تُقَسِّمُ نَبْضَهَا

مِثْلَ الضِّيَاءِ بِكُلِّ كَوْنٍ مُبْدِعِ

لَا تَحْسَبِي أَنَّ السُّكُوتَ جَفَاوَةٌ

بَعْضُ الكَلَامِ يَكُونُ خَلْفَ الأَدْمُعِ

بُحْنَا بِكُلِّ خَفِيَّةٍ وَمَصُونَةٍ

حَتَّى غَدَوْنَا فِي نَعِيمٍ مُمْتِعِ

هَذِي الحَيَاةُ بِدُونِ حُبِّكِ غُصَّةٌ

تَغْتَالُ صَفْوَ العَيْشِ دُونَ تَوَرُّعِ

وَبَدَا لَنَا وَجْهُ الصَّبَاحِ مُهَلِّلاً

يَشُقُّ ثَوْبَ اللَّيْلِ دُونَ تَفَزُّعِ

قَامَتْ تُوَدِّعُنِي وَفِي أَجْفَانِهَا

سِرُّ العِتَابِ بِقَلْبِها المُتَصَدِّعِ

يَا لَيْتَ هَذَا الفَجْرَ أَخَّرَ نُورَهُ

كَيْ لَا يَكُونَ مَسَارُهُ كَالمُفْجِعِ

ذَرَفَتْ عُيُونُ النَّجْمِ دَمْعَ ذُبُولِهَا

لَمَّا رَأَتْ حَالَ المُحِبِّ المُنْزَعِ

شَدَّتْ عَلَى كَفِّي وَقَالَتْ جَهْرَةً

هَلْ نَلْتَقِي فِي المَوْعِدِ المُسْتَجْمَعِ؟

فَأَجَبْتُهَا وَالرُّوحُ تَرْحَلُ نَحْوَهَا

إِنِّي لِعَهْدِكِ حَافِظٌ فِي مَدْمَعِي

طَارَ الحَمَامُ مَعَ الشُّرُوقِ مُغَرِّداً

فَوْقَ الغُصُونِ بِصَوْتِهِ المُتَضَرِّعِ

وَمَضَتْ كَمَا يَمْضِي الخَيَالُ بِرِقَّةٍ

تَرَكَتْ فُؤَادِي فِي لَظَى التَّلَذُّعِ

يَا صُبْحُ رِفْقاً بِالقُلُوبِ فَإِنَّهَا

ذَابَتْ مِنَ الأَشْوَاقِ فِي ذَا المَطْلَعِ

وَدَّعْتُهَا وَالكَوْنُ يَشْهَدُ أَنَّنِي

صَبٌّ رَمَاهُ البَيْنُ خَلْفَ المَقْطَعِ

سَأَظَلُّ أَحْفَظُ لِلْوِدَادِ مَوَاثِقاً

بُنيَتْ عَلَى عَهْدٍ لَنَا لَمْ يُنْزَعِ

إِنْ غَابَ جِسْمُكِ عَنْ عُيُونِي بَرْهَةً

فَخَيَالُ طَيْفِكِ لَمْ يَغِبْ عَنْ أَضْلُعِي

عَيْنِي إِلَى لُقْيَاكِ تَرْنُو دَائِماً

رَنُوَ الظِّمَاءِ إِلَى النَّمِيرِ المُنْقِعِ

صَبْرِي عَلَى بَعْدِ الحَبِيبِ عِبَادَةٌ

أَرْقَى بِهَا نَحْوَ المَقَامِ الأَوْسَعِ

يَا دَهْرُ سَجِّلْ أَنَّنِي ذَاكَ الذِي

مَا بَاعَ صِدْقَ الحُبِّ رَغْمَ المَوْجِعِ

لَا الشَّوْقُ يُطْفِئُهُ الزَّمَانُ وَلَا النَّوَى

يَقْوَى عَلَى هَدْمِ البِنَاءِ المُرْفَعِ

إِنَّا عَلَى وَعْدِ التَّلَاقِي نَرْتَجِي

يَوْماً يُعِيدُ الأُنْسَ فِي ذَا المَجْمَعِ

فَارْقُبْ تَبَاشِيرَ الوِصَالِ لَعَلَّهَا

تَأْتِي بِفَجْرٍ بِالمَسَرَّةِ مُشْرِعِ

تَمَّتْ بِحَمْدِ اللهِ كُلُّ قَصِيدَةٍ

صِيغَتْ مِنَ الوَجْدِ النَّقِيِّ الأَنْصَعِ

هَذَا سَلَامُ الصَّبِّ يُهْدَى نَحْوَكُمْ

مَا غَرَّدَ القُمْرِيُّ فَوْقَ الأَفْرُعِ