من أولِ الماءِ حتّى يُقْبَض الماءُ
وما بنفسي من الأشْياءِ أشْياءُ
تسرَّبتْ خلف جرحي ألف موجعةٍ
وبي وحرفي من الأوجاعِ أهواءُ
يأنّ بي العمر والدّنيا مسافرةٌ
نحوي ودوني جراحاتٌ وأشلاءُ
وموطني الآن في أقسى الغياب وهلْ
للأرض روحٌ؟ وهذي الرّوحُ جوزاءُ
هذا النقيضُ الذي بيني وقافيتي
يأوي إليَّ...، وبيْ والحرف أرْزاءُ
تأتي المعاني بلا حبٍّ تعاتبني
تقول: قالتْ:- معاذَ الله- عَفْرَاءُ
أيّ الدَّواليب في قلبي تُخبِّئها؟
يا آخر اللّيلِ! لا تغريكَ نجْلاءُ
أنْفذْ إلى الفجرِ... وانأى عن مواربةٍ
عهدي بكَ الآن... ما للعهدِ إرْجاءُ
أخشى السَّرابَ وقدْ أسرجتُ أخيلتي
وكوَّةُ العمرِ في التّرحالِ سوداءُ
أمضي ولا شيءَ إلَّا الأمس يسكنني
غريبةٌ بين روحي الحاءُ والباءُ
وحكمةُ الرّاءِ تقضي بيننا سفهًا
يا كربةَ الأرضِ! هل في النَّاسِ أحْياءُ؟
يا طورَ سيناء! ضاعَ الوقتُ بي خورًا
والنَّفسُ- صبْرًا: لنا في النَّارِ أنْباءُ
فراشةُ العمرِ والنِّيرانُ تجذبُها
نحو النّهايات، والأيّامُ أعباءُ
ما حيلة الشِّعرِ والأرجاءُ موحشةٌ
بي، والبداياتُ أحلامٌ وإطراءُ
وغايةُ الأمرِ: نفسٌ حلمُها وطنٌ
يشدو الأماني وما في الجيبِ إغواءُ
إذ إنَّنا في بلادٍ شبه عاريةٍ
من الحياةِ، بلادٌ عيشُها داءُ
إذ إنَّنا في بلادٍ مسَّها سقمٌ
أرضٌ من الحبِّ في أحضانِها راءُ
مجرَّدون من الماضي ويتعبنا
أنْ نقضي العمرَ والأحلامُ جرداءُ
غريبةً تجري الأيّامُ في دمِنا
ودونها عيشُنا، والعيشُ ضوضاءُ
خطيئةُ الأرضِ نحو الموتِ تأخذنا
هلْ للخطيئةِ آباءٌ وأبناءُ؟
آهٍ على الشَّعرِ كمْ ذقنا بهِ وجعًا
حُزْنًا وعشقًا وما طابتْ لنا ياءُ
ضعيفةٌ أنفسُ العشّاقِ يطربُها
وعدٌ كذوبٌ، لإنّ الأرضَ حوَّاءُ
كمْ شاعرٍ عاشَ مغلوبًا، وفاتنةٌ:
في اللامبالاةِ، لمْ تأبهْ بمنْ ناءوا
وشوكةُ الحبِّ في الميزانِ ظالمةٌ
أقسى من العشقِ أنْ تنفيكَ أسماءُ
بقيعةٌ من سرابٍ خابَ قاصدُها
هذا هو الشّوقُ، لا تغريك هيفاءُ
وإن تلوح لنا في الأُفْقِ بارقةٌ
لا تطمئنَّ لها، فالنَّفسُ بلهاءُ
هذي البلادُ لها في العيشِ معجزةٌ
طقوسُها الحربُ والأفراحُ أعداءُ
كئيبةٌ كلّها لا اللّيل يأسرها
ولا الصَّباح، لها بالحزنِ إغراءُ
يا ذنبَ قابيل ما أبقيت لي وطنًا
من أوّلِ العمرِ... والرَّاياتُ حمراءُ
يا جرحَ هابيل لا قابيل ابن أبي
حتّى تضيق بنا والسّلم أرجاءُ
إذ ضاقتْ الأرضُ والأكوانُ ذو سعةٍ
وضاقَ بالنّاسِ هذا البرُّ والماءُ
وضقتُ والحرفُ ذرعًا ملء قافيتي
وضاقَ بالشّعرِ دون الحرفِ إملاءُ
يا ذنب قابيلِ والأيّام قدْ أزفتْ
نحو النَّهاياتِ، هلْ للأمرِ إنهاءُ؟