أمن تهادى نسيمٌ من حمى الحرمِ
فاستيقظ القلبُ من وجدٍ ومن ألمِ؟
أم لاح طيفُ الحبيبِ في الدجى سحرًا
فأوقد الشوقَ في الأرواحِ كالعلمِ؟
ما بال دمعي إذا ناديتُه كففا
يسيلُ كالنهرِ من جفني ومن قلمي
قد خاب ظني بعقلٍ كنتُ أُكرمه
فالعقلُ يخذلُ إن لم يُرشد القَسَمِ
أعاتب الشيبَ في نصحي، وأعلم أن
الشيبَ أصدقُ من وهمي ومن حلمي
يا أيّها القلبُ، هلّا كنتَ منتبهًا
للنورِ إن لاحَ في ليلٍ من الظُلمِ
فإنّما العمرُ أنفاسٌ، نضيّعها
في اللهوِ، والحقُّ أولى كلّ ملتزمِ
كم من فتىً هامَ في دنيا ملوّنةٍ
فاستنزفتهُ، ولم تُبقِ لهُ القِيمِ
وكم من العقلِ ضلّتْ فيهِ بوصلةٌ
حتى غدا في متاهاتٍ من السقمِ
فاستمسكِ النورَ إن لاحَتْ بشائرُهُ
ولا تُساومْ على دينٍ، ولا كرمِ
فالدينُ عزٌّ، ومنهُ المجدُ منبثقٌ
والحقُّ أسمى من الألقابِ والحُكمِ
لا تُغركَ زخارفٌ، ولا نسبٌ
فاللهُ يرفعُ من في القلبِ ملتزمِ
وإنْ بدا لكَ في الدنيا تفاخرُها
فانظرْ إلى من مضى، هل نالَ من نعمِ
فكمْ من الملكِ قد سادوا، وما بقيتْ
إلا الحكايا، وأطلالٌ من العدمِ
فاستبصرِ النورَ، وامشِ في هدايتهِ
تنجُ من الفتنِ، والآثامِ، والنقمِ
فالنفسُ إن لم تُزكَّ، ضلّتْ وجهتُها
وصارتْ عبدةً للشهواتِ والنِعمِ
فاحذرْ هواكَ، فإنّ النفسَ خادعةٌ
تُريكَ زيفًا، وتُغريكَ بالوهمِ
واطلبْ رضا اللهِ في سرٍّ وفي علنٍ
تُفلحْ، وتُرفعْ في الدنيا وفي القِدمِ
ضروراتُ الزهدِ في أسمى من العصمِ
فاخترْ طريقَ الهدى، وانهضْ من السدمِ
وحّدتَ صفًّا تفرّق قبل بعثتِك
فصار يجمعه الإيمانُ والنعمِ
كانت قلوبُ الورى شتّى، فجمّعها
نورُ النبوّةِ، لا مالٌ ولا حكمِ
فلا قبيلةُ طغتْ، لا فئةٌ علتْ
إلا تواضعتِ الأحرارُ والسُؤمِ
ألغيتَ فخرَ الجهالاتِ التي سلفتْ
حتى تساوى بها الأجوادُ واللُؤمِ
وصار ميزانُهم تقوى، ومكرمةٌ
منها ارتقى من له في الحقّ ملتزمِ
أذبتَ جمرَ العصبياتِ التي اشتعلتْ
فاستسلمتْ للهدى الأهواءُ والسقمِ
فلا قريشٌ لها فضلٌ على يمنٍ
ولا تميمٌ على الأوسِ، ولا كلمِ
بل كلّهم إخوةٌ في الدينِ قد نزلتْ
آياتُ ربٍّ بهم تُتلى وتُحتكمِ
أقمتَ فيهم بناءً لا يهدّدهُ
طغيانُ عادٍ، ولا فرعونُ، أو صنمِ
وصرتَ جامعةَ الأرواحِ في هدفٍ
هو التوحيدُ، لا شركٌ ولا ندمِ
فأنتَ يا سيدي، يا جامعَ الأممِ
يا من بهِ اتّحدَ الإيمانُ والقلمِ
يا من غدا ذكرُهُ في كلّ ناحيةٍ
نورًا يُضيءُ دجى الأرواحِ والظُلمِ
أنتَ الذي وحّدتَ الشامَ في يمنٍ
والسندَ في مصرَ، والأفغانَ في الحرمِ
أنتَ الذي جمعتْ أفئدةً شتّتتْ
فصارتَ فيك لها عزٌّ ومعتصمِ
أنتَ الذي نطقتْ فيك الشعوبُ هدىً
وارتدّ عنها ضلالُ الكفرِ والعدمِ
أنتَ الذي نزلتْ فيك البشائرُ من
ربٍّ كريمٍ، له في الخلقِ منتقمِ
أنتَ الذي أطفأتْ نارَ العداوةِ في
قلوبِ قومٍ، بها الأحقادُ تلتهمِ
أنتَ الذي أخرجتْ من كلّ مظلمةٍ
نورًا يُبدّدُها، والحقُّ يُلتزمِ
أنتَ الذي أرسلتْ فينا رسالتَك
فاستبشرتْ أمةٌ، واستيقظَ الحلمِ
أنتَ الذي أحييتَ فينا وحدةً
تعلو على كلّ ما قد فرّقَ الأممِ
أنتَ الذي جمعتْ أرواحَنا هدفًا
أن لا نُذلّ، ولا نُستعبدَ، أو نُهزمِ
أنتَ الذي أرسلتْ فينا كرامتَنا
فاستعذبَ الناسُ فيك العدلَ والكرمِ
فاق النبيينَ في أخلاقهِ، وسمتْ
أنوارهُ فوقهم علمًا، وفوق كرمِ
وكلّهم منهُ قد نالوا، وما بلغوا
إلا كغرفٍ من البحرِ، أو الديمِ
أشرقَ مولدهُ، فاهتزّتِ الأرضُ
كأنّها فرحتْ من طيبهِ العلمِ
تفرّستْ فارسٌ في ليلها خطرًا
فانهدّ إيوانُها من هولهِ العظمِ
والنارُ أطفأها الأسفُ، والنهرُ غاضتْ
عيونُهُ من سهدهِ السدمِ
وساوةٌ اشتدّ فيها الغيظُ، وانطفأتْ
بحيرتُها، وانكفأ الواردُ الظمي
كأنّ في الماءِ نارًا، واللظى بللٌ
من حزنِها، والمياهُ اشتدّها الضرمِ
والجنُّ تهتفُ، والأنوارُ ساطعةٌ
والحقُّ يسطعُ في معنى وفي كلمِ
جاءتْ لهُ الأشجارُ تمشي ساجدةً
تُطوى لهُ الأرضُ من دونِ القدمِ
والغمامةُ أينما سارتْ تظلّلهُ
كأنّها بردةٌ في وهجِ ملتطمِ
شقّ القمرَ لهُ قسمًا، وما برحتْ
أنوارهُ تثبتُ النسبةَ القسمِ
والغارُ حوى من كراماتٍ، فما رأتْ
عينُ العدى فيهِ شيئًا من الأرمِ
ظنّوا الحمامَ، وظنّوا العنكبوتَ، وما
نسجتْ لهُ، بل حمتْهُ من كلّهمِ
كم من مريضٍ شفى باللمسِ راحتُهُ
وكم فُكّتْ عقدةٌ من ربقةِ اللممِ
وأحيا السنةَ البيضاءَ دعوتُهُ
فأصبحتْ غرّةً في أعصرِ الظلمِ
دعني أصفْ آياتٍ لهُ ظهرتْ
كأنّها نارُ قرى في ليلِ ملتطمِ
فالدرُّ يزدادُ حسنًا حينَ ينتظمُ
ولا يقلّلُ قدرًا حينَ ينفصمِ
دامتْ لنا، فسمتْ فوق المعاجزِ
من كلّ نبيٍّ، إذ جاءتْ ولم تدمِ
ما حوربتْ قطُّ إلا عادَ من حربٍ
أعدى الأعادي إليها ملقي السلمِ
ردّتْ بلاغتُها دعوى معارضِها
ردّ غيورٍ يدَ الجاني عن الحرمِ
لها المعاني كموجِ البحرِ في مددٍ
وفوقَ جوهرهِ في الحسنِ والقيمِ
يا خيرَ من قصدَ العافونَ ساحتهُ
سعيًا، وفوقَ متونِ الخيلِ والرسمِ
وأنتَ آيةُ من يعتبرُ بها
وأنتَ نعمةُ من يرجو ومن يغنمِ
سريتَ ليلًا من الحرمِ إلى الحرمِ
كالبدرِ يسري على ظلمٍ من الظلمِ
وبِتَّ تَرقى، إلى أن نلتَ منزلةً
فيها ارتقيتَ إلى العرشِ، وإلى القِسمِ
حتى دنا منكَ جبريلٌ، وما قدرَتْ
أن تقتربَ منهُ إلا أنتَ في القِممِ
وسرتَ في الملكوتِ الأعلى، فجلّلهُ
نورُ الجلالِ، ووجهُ الحقِّ في الحرمِ
ورأيتَ ما لم ترَ الأنظارُ من أزلٍ
ولا تخيّلهُ فكرٌ، ولا قلمِ
فكنتَ في قابِ قوسينٍ منزلةً
فيها ارتقيتَ إلى العرشِ، وإلى القسمِ
ثمّ انثنيتَ إلى الدنيا، وفي يدكَ
نورُ الرسالةِ، لا يُخفى على الأممِ
فأيقظتَ فينا رجاءً كانَ منطفئًا
وأحييتَ فينا كراماتٍ من القدمِ
وجئتَ بالحقِّ، لا تخشى جحافلهمْ
ولا تُهابُ إذا ما استأسدَ العجمِ
فكنتَ في بدرَ، في أحدٍ، وفي حُنينٍ
رمزَ البطولةِ، لا يُثنيهِ من ظلمِ
وكنتَ في كلّ أرضٍ حلّ موكبُكَ
نصرًا، يُبدّدُ آهاتِ من انهزمِ
فإنْ تلقّهُ الأسدُ في الغابِ تنثلمِ
وإنْ دعاكَ الندى، فاضتْ بهِ الكرمِ
خدمتُهُ بمديحٍ أستقيلُ بهِ
من كلّ ذنبٍ، ومن أوزارِ ملتطمِ
يا ربّ، إنّي أتيتُ البابَ معتذرًا
فلا تردّ الذي قد جاءَ من ألمِ
قد جئتُ أرجو رضاكَ، اليومَ في وجلٍ
فاغفرْ لعبدٍ، غدا في الذنبِ منسجمِ
واغسلْ خطايايَ، وامنحني براءتَها
فأنتَ أرحمُ من يرجو ومن غنمِ
يا ربّ، إنّي ضعيفٌ، لا أطيقُ مدى
ما قد جنيتُ، ولا أُحصي من النقمِ
فاجعلْ دعائيَ نورًا، لا يُطفئهُ
ليلُ المعاصي، ولا طوفانُ من سدمِ
واجعلْ مديحيَ في المختارِ شافعةً
تُرضيكَ عنّي، وتُعلي منزلَ القلمِ
فهوَ الشفيعُ، إذا ما الناسُ قد وقفتْ
في الحشرِ، تنتظرُ الإنصافَ والكرمِ
يا ربّ، صلِّ عليهِ، ما دنا أملٌ
وما دعاكَ مُنيبٌ، خاشعُ النغمِ
واغفرْ لنا ما مضى، يا واسعَ الكرمِ
وارزقْ قلوبَ الورى نورًا من النعمِ
هذا مديحي، وفيه القلبُ قد نطقَ
حبًّا لنورِ الهدى، في أصدقِ الكلمِ
يا ربّ، بالمصطفى، بلّغْ مرادَنا
واغفرْ لنا ما مضى، يا واسعَ الكرمِ
واجعلْ لنا في دروبِ النورِ منزلةً
تُرضيكَ عنا، وتُعلي قدرَنا القَدمِ
واجعلْ لنا في رضاكَ الخيرَ أجمعهُ
فأنتَ أكرمُ من يُرجى ومن يُنعمِ
يا ربّ، صلِّ على المختارِ ما طلعتْ
شمسٌ، وما أشرقتْ أنوارُهُ القِممِ
صلِّ عليهِ عددَ الأنفاسِ في جسدٍ
وعددَ ما رفرفتْ في الأفقِ من علمِ
صلِّ عليهِ، صلاةً لا انقضاءَ لها
في كلّ وقتٍ، وفي كلٍّ من الأممِ
واجعلْ مديحيَ هذا في صحيفتِهِ
نورًا يُضيءُ، إذا ما الناسُ في الظُلمِ
فهوَ الشفيعُ، إذا ما الناسُ قد وقفتْ
في الحشرِ، تنتظرُ الإنصافَ والكرمِ
يا ربّ، صلِّ عليهِ، ما دنا أملٌ
وما دعاكَ مُنيبٌ، خاشعُ النغمِ
واغفرْ لنا ما مضى، يا واسعَ الكرمِ
وارزقْ قلوبَ الورى نورًا من النعمِ
هذا مديحي، وفيه القلبُ قد نطقَ
حبًّا لنورِ الهدى، في أصدقِ الكلمِ