بعد هجرٍ طويل جئتها
حاملاً وجع السنين فقالت:
خبئ حنينك خلف شكواه
فَنِفاقُ حُبّكَ لستُ أهواهُ
يا شاعراً كمْ كانَ يقرأني
أغرودةً عَبَثَتْ بها الآهُ
وسَكَنتُ في كُرّاسِهِ قمراً
ما غابَ مُذْ بالشِّعرِ أنشاهُ
ويُسطِّرُ الأشعارَ في شَفَتي
ويُميتُ بيتاً كانَ أحياهُ
فنجانُ قهوتِهِ بهِ غَزَلٌ
مِنْ سُكَّرِ الأشواقِ حلّاهُ
فتذوبُ في فنجانِهِ فِتَني
إنْ رَاحَ يلثُمُ طَرفَهُ الفاهُ
يُذكي بمقْدمِهِ لظى شَغَفي
ويُميتُ صبري خلف مرآه
والقلبُ يَنثُرُ شوقَهُ كلِفاً
والعقلُ يُبدي كُلَّ تَقواهُ
والشّالُ يحملُني على وَرَعي
والنّهدُ يمعن في خطاياه
ويَضيعُ ما تنويهِ خاطرتي
بمفاتنٍ تُغري نواياهُ
يكفيكَ أنّي كُنتُ مَحْبَرَةً
لبهاءِ شِعْرٍ خُنتَ معناهُ
هل جئتَ تُوقِدُ فيَّ ذاكِرَتي
أمْ جئتَ تُكْمِلُ ما بدأناهُ
فكما بكيتُك خلفَ قافيَتي
قَيْسٌ سيبكي اليومَ ليلاهُ
ضَمّدْ مشاعرَكَ التي حملتْ
كذباً جميلاً خابَ مسعاهُ
أنا لستُ زهرَ الصبِّ تقطفُهُ
يُمناهُ كي ترميهِ يُسراهُ
لا. لستُ قنديلاً لقلبِكَ إنْ
لاحَ الصّباحُ الحلوُ أطفاهُ
يا من يضمخُ لونَ حاضرِهِ
مِن عطرِ أمسٍ كادَ ينساهُ
بالوصلِ نَرسُمُ شَوقَنا قُبَلاً
والهجرُ يمحو ما رسَمْناهُ
بالأمسِ تَتركُ جَمْرَ أسئلةٍ
في موقدٍ كمْ بِتُّ أصلاهُ
واليومَ لن تُكوى أصابِعُنا
بِرَمادِ أسئلةٍ لمسناهُ
بالشِّعرِ تُخفي وَجْهَ مَعصِيةٍ
والشِّعرُ ما أخفيتَ أفشاهُ
غرد فلحنك ليس يطربني
يا بلبلاً يبكيه مغناه
أهدرتُ دَمْعَكَ في مُذَكَّرَتي
ها قد أتى ما كنت تخشاه
وأبحتُ هجرَ الحُبِّ حينَ بكَتْ
في مَعبدِ النّسيانِ ذِكْراهُ
دنُّ الوِصالِ شَرِبْتُ آخرَهُ
وكَسرتُهُ. فاجمعْ بقاياهُ
بقصيدةٍ ضاعتْ بها الآهُ
خبئ حنينك خلف شكواهُ