تخطَّ إلى المحتوى

الكامل

٥٢ بيت

الرثاء

قبر الغريب

إلى محمود درويش...

وإلى القصيدةِ الضَّائعة التي اختَفتْ في ظُروفٍ غامضَةٍ ليلةَ تأبينِ لاعِبِ النَّرد.

[مَحمُودُ]...

شَاهِدةٌ هُناكَ تَزيَّنَتْ...

وغدًا سَيمشِي الكُلُّ في هذِي الجَنازةِ مرَّةً أُخرى

ووحدِي فوقَ قَبركَ لنْ أقولَ الشِّعرَ/ لنْ أنعاكَ في ورقِي/

ولنْ أَحظَى بتَصفيقٍ على تَأبينِ ذاكِرةِ الغَريبِ/ ولنْ...

سيُقالُ لي أنِّي تخلَّفَ واجبِي...

لا حقَّ في المِيراثِ لامرأةٍ تَخلَّت عن مَراثِيها...

ولا أهتَمُّ بالمِيراثِ/ لنْ أرْثِيكَ... / ف ليَرْثُوكَ وليَرِثُوا:

سيقتَسِمُونَ وجهكَ والمسَافةَ والرَّغيفَ وكُلَّ حِبركَ وَحدَهُم جهرًا/

ولنْ أُعْطَى من الدَّورِ الَّذي يُعطَى إلى الشُّعراءِ في هذي المُناسَبةِ الأليمة

دَورَ أَنِ أُلقيهِ... [نِردُ الله فوقَ النَّعشِ] –

والنَّعشُ المُغطَّى بالبنفسَجِ لنْ يُباركَني بتَحويلِي إلى (مِنهمْ).

لا دمعَ ينزِلُ فوقَ قَبركَ/

إنَّ من أنْهُوا مُهِمَّاتِ الحَياةِ وغادَرُوا بطَريقةٍ مُثلى [انتِشَاءُ القَلبِ] مَحظُوظُونَ بالمَوتِ الجَميلْ.

إنِّي لأنظُرُ نَحوَ قَلبِكَ كُلَّمَا صَادَفتُهُ

وأُرَغِّبُ القَلبَ الَّذِي في الصَّدرِ كَي يَمشِي على دَربِ النَّزيفِ ويَتبَعَ الإيقَاعِ فيهِ/

لرُّبمَا حَظِّي سَيمنَحُنِي النِّهايَةَ نَفسَهَا!

إِنَّ النِّهَايَةَ لا تَكُونُ سِوى البِدايةِ دائمًا/ فلِمَ البُكاءُ على غيابٍ حَاضرٍ؟/

والدَّمعُ تَاريخٌ لحَالِ المَاءِ/ للبَاقِينَ في هذِي الحَياةِ بلاَ حَياةٍ/

عَابِرينَ على المَدَائنِ دُونَ أَحذِيةٍ تليقُ بمَا تَبقَّى من رَصيفِ الشَّوقِ والأحلاَمِ/

مُنتَظِرينَ بلاَ تَذاكِرَ في مَطَاراتِ الوُجُودِ/

الدَّمعُ خَارطَةٌ لمَن مَاتُوا ومَا عَرَفُوا طَريقَ القَبرِ بَعدُ.

[محمُودُ]...

ضَيَّعتُ القَصِيدةَ.../ كُنتُ جَهَّزتُ الرِّثَاءَ على الَّذي سَئِمَ الرِّثاءَ/

وكُنتُ جَهَّزْتُ الثِّيَابَ السُّودَ كَي أَبدُو كمُؤمِنةٍ بِحقِّ المَوتِ مِثلَ الآخَرينَ /

وكُنتُ كَحَّلْتُ العُيونَ ببعضِ دَمعاتِ الحَنينِ... لَعلَّ أَبدُو مِثلَ كُلِّ الحَاضرينَ/

فأنتَ تعلمُ مُنذُ عَامٍ قد مَضى... /

أنَّ النَّحيبَ على الجَنائِز ليسَ يَدخُلُ ضِمنَ قَائِمة اختِصَاصِي.

سَيفِي بلاَ عَذلٍ/ وبعدَ اللَّيلِ يَأتِينِي صَديقٌ كَي نَسيرَ إلَى المَقابرِ/

كَي نَكُونَ مُؤَازِرينَ مع الَّذِين سَيفتَحُونَ دفَاتِر الذِّكرَى

لتُروى سِيرةُ (المَحمودِ) والأرضِ المُقدَّسَةِ الَّتي ضَاعتْ:

هُنالكَ حيثُ...

(عُصفورٌ) تردّى في الجَليلِ

مُوَدِّعًا أثرَ الفَراشةِ في شِفاه حبيبةٍ تركَ الحبيبُ حصانَه في قَلبِها.

سَهرتْ كثيرًا بانتظَارِ رجوعهِ/ مِن ثَمَّ نَامتْ في سَرير غَريبةٍ/

نَسِيتْ مَديح الظِّلِّ والزَّيتُونِ

واللَّيلِ الَّذِي أنهَى عَلى عَجَلٍ حِصَار مَدائِح البَحرِ القَديمةِ

وانتِحارَ العَاشِق المَجنونِ في دَمِها سُدى.

نَامتْ/ وذَاكرةٌ من النِّسيانِ غَطَّتهَا بزَهرِ اللَّوزِ/

فابتَسَمتْ وبَلَّل وَجهَها مَطرٌ خَريفِيٌّ بَعيد.

و[أنَا] هُنا/ لا دَمعَ يَنزلُ فَوقَ قَبرِكَ/

لستُ أَسمَعُ ما يُقالُ على القُبورِ

مِن الكَلامِ ال (لا يُفِيدُكَ) بلْ يُفيدُ ال (هؤلاءِ)..

ال (هؤلاءِ) البَاحثِينَ عن الَّذي قد كُنتَ تملِكُهُ

ولم تَترُكهُ في سِرِّ الوَصيَّةِ [ليسَ يُترَكُ إنَّما لا يَعلَمُونَ]...

سيَمدَحونَ/ سيدْمَعونَ/ سيُزْعِجُونَ هدُوءَ قبركَ بالمَراثي إنَّما...

لا تَنزعِجْ...

فالكُلُّ يَرثِي فَوقَ قَبركَ نَفسَهُ/ وأنَا بِصِدقٍ لا أُحبُّ رثَاءَ نَفسِي!!!

9 أغسطس 2010