قبر الغريب
إلى محمود درويش...
وإلى القصيدةِ الضَّائعة التي اختَفتْ في ظُروفٍ غامضَةٍ ليلةَ تأبينِ لاعِبِ النَّرد.
[مَحمُودُ]...
شَاهِدةٌ هُناكَ تَزيَّنَتْ...
وغدًا سَيمشِي الكُلُّ في هذِي الجَنازةِ مرَّةً أُخرى
ووحدِي فوقَ قَبركَ لنْ أقولَ الشِّعرَ/ لنْ أنعاكَ في ورقِي/
ولنْ أَحظَى بتَصفيقٍ على تَأبينِ ذاكِرةِ الغَريبِ/ ولنْ...
سيُقالُ لي أنِّي تخلَّفَ واجبِي...
لا حقَّ في المِيراثِ لامرأةٍ تَخلَّت عن مَراثِيها...
ولا أهتَمُّ بالمِيراثِ/ لنْ أرْثِيكَ... / ف ليَرْثُوكَ وليَرِثُوا:
سيقتَسِمُونَ وجهكَ والمسَافةَ والرَّغيفَ وكُلَّ حِبركَ وَحدَهُم جهرًا/
ولنْ أُعْطَى من الدَّورِ الَّذي يُعطَى إلى الشُّعراءِ في هذي المُناسَبةِ الأليمة
دَورَ أَنِ أُلقيهِ... [نِردُ الله فوقَ النَّعشِ] –
والنَّعشُ المُغطَّى بالبنفسَجِ لنْ يُباركَني بتَحويلِي إلى (مِنهمْ).
لا دمعَ ينزِلُ فوقَ قَبركَ/
إنَّ من أنْهُوا مُهِمَّاتِ الحَياةِ وغادَرُوا بطَريقةٍ مُثلى [انتِشَاءُ القَلبِ] مَحظُوظُونَ بالمَوتِ الجَميلْ.
إنِّي لأنظُرُ نَحوَ قَلبِكَ كُلَّمَا صَادَفتُهُ
وأُرَغِّبُ القَلبَ الَّذِي في الصَّدرِ كَي يَمشِي على دَربِ النَّزيفِ ويَتبَعَ الإيقَاعِ فيهِ/
لرُّبمَا حَظِّي سَيمنَحُنِي النِّهايَةَ نَفسَهَا!
إِنَّ النِّهَايَةَ لا تَكُونُ سِوى البِدايةِ دائمًا/ فلِمَ البُكاءُ على غيابٍ حَاضرٍ؟/
والدَّمعُ تَاريخٌ لحَالِ المَاءِ/ للبَاقِينَ في هذِي الحَياةِ بلاَ حَياةٍ/
عَابِرينَ على المَدَائنِ دُونَ أَحذِيةٍ تليقُ بمَا تَبقَّى من رَصيفِ الشَّوقِ والأحلاَمِ/
مُنتَظِرينَ بلاَ تَذاكِرَ في مَطَاراتِ الوُجُودِ/
الدَّمعُ خَارطَةٌ لمَن مَاتُوا ومَا عَرَفُوا طَريقَ القَبرِ بَعدُ.
[محمُودُ]...
ضَيَّعتُ القَصِيدةَ.../ كُنتُ جَهَّزتُ الرِّثَاءَ على الَّذي سَئِمَ الرِّثاءَ/
وكُنتُ جَهَّزْتُ الثِّيَابَ السُّودَ كَي أَبدُو كمُؤمِنةٍ بِحقِّ المَوتِ مِثلَ الآخَرينَ /
وكُنتُ كَحَّلْتُ العُيونَ ببعضِ دَمعاتِ الحَنينِ... لَعلَّ أَبدُو مِثلَ كُلِّ الحَاضرينَ/
فأنتَ تعلمُ مُنذُ عَامٍ قد مَضى... /
أنَّ النَّحيبَ على الجَنائِز ليسَ يَدخُلُ ضِمنَ قَائِمة اختِصَاصِي.
سَيفِي بلاَ عَذلٍ/ وبعدَ اللَّيلِ يَأتِينِي صَديقٌ كَي نَسيرَ إلَى المَقابرِ/
كَي نَكُونَ مُؤَازِرينَ مع الَّذِين سَيفتَحُونَ دفَاتِر الذِّكرَى
لتُروى سِيرةُ (المَحمودِ) والأرضِ المُقدَّسَةِ الَّتي ضَاعتْ:
هُنالكَ حيثُ...
(عُصفورٌ) تردّى في الجَليلِ
مُوَدِّعًا أثرَ الفَراشةِ في شِفاه حبيبةٍ تركَ الحبيبُ حصانَه في قَلبِها.
سَهرتْ كثيرًا بانتظَارِ رجوعهِ/ مِن ثَمَّ نَامتْ في سَرير غَريبةٍ/
نَسِيتْ مَديح الظِّلِّ والزَّيتُونِ
واللَّيلِ الَّذِي أنهَى عَلى عَجَلٍ حِصَار مَدائِح البَحرِ القَديمةِ
وانتِحارَ العَاشِق المَجنونِ في دَمِها سُدى.
نَامتْ/ وذَاكرةٌ من النِّسيانِ غَطَّتهَا بزَهرِ اللَّوزِ/
فابتَسَمتْ وبَلَّل وَجهَها مَطرٌ خَريفِيٌّ بَعيد.
و[أنَا] هُنا/ لا دَمعَ يَنزلُ فَوقَ قَبرِكَ/
لستُ أَسمَعُ ما يُقالُ على القُبورِ
مِن الكَلامِ ال (لا يُفِيدُكَ) بلْ يُفيدُ ال (هؤلاءِ)..
ال (هؤلاءِ) البَاحثِينَ عن الَّذي قد كُنتَ تملِكُهُ
ولم تَترُكهُ في سِرِّ الوَصيَّةِ [ليسَ يُترَكُ إنَّما لا يَعلَمُونَ]...
سيَمدَحونَ/ سيدْمَعونَ/ سيُزْعِجُونَ هدُوءَ قبركَ بالمَراثي إنَّما...
لا تَنزعِجْ...
فالكُلُّ يَرثِي فَوقَ قَبركَ نَفسَهُ/ وأنَا بِصِدقٍ لا أُحبُّ رثَاءَ نَفسِي!!!
9 أغسطس 2010