أَنا ضائِعِي في كُلِّ يَومٍ وخابِئِي
صَديقِي وأَعدائِي جِرَاحِي وناكِئِي
أَنا حاطِبُ النارِ التي أَنضَجَت دَمِي
ودَمعِي وأَهدَتْنِي إلى كُلِّ قارئِ
أَنا حامِلُ الكِيْرِ الذي بِيْعَ مِسْكُهُ
رَمَادًا ونارًا جَمرُها غَيرُ دافِئِ
على ذَيلِ هذا اللَّيلِ رُوحِي تَرَمَّدَت
فلا تَسأَلُونِي عَن رِجالِ المَطافِئِ
كَمَا يَشهَقُ المَطعُونُ نادَيتُ: يااا دَمِي
تَرَيَّثْ ويا قَلبُ الْتَفِتْ غَيرَ عابِئِ
ونَافَحْتُ بالأَنفاسِ حتى قَبَضْتُها
ولكنَّ خَلفَ النَّارِ مَن لَم يُبَاطِئِ
يَقُولُونَ إنَّ الدَّاءَ لِلدَّاءِ نافِعٌ
فَمَن ذا يُدَاوِينِي بدَاءٍ مُنَاوِئِ!
ثَلاثِينَ صَيفًا مِتُّ في كُلِّ لَيلةٍ
وأَقبَلْتُ مِنها شاكِيًا نِصفَ هازِئِ
ثَلاثِينَ صَيفًا مِتُّ عَن كُلِّ راحِلٍ
وآتٍ وعَن كُلِّ احتِمالٍ وطارِئِ
ثَلاثُونَ أَلقَت بي ومَرَّت ولَم أَزَل
أُدَارِي بَقَاياها بِصَبرٍ مُمَالِئِ
مِن الماءِ حتى الماءِ سافَرتُ حامِلًا
تُرَابي وأَترابي ومائِي وظامِئِي
وها عُدتُ مَحمُولًا على اللَّيلِ لا أَرَى
جِرَاحِي، وما لِي صاحِبٌ غَيرُ بارِئِي
وبي مِن جُنُونِ الشِّعرِ ما اللّهُ عالِمٌ
بهِ غَيرَ أَنَّ الشِّعرَ ظِلُّ المَبَادِئ
على ذَيلِ هذا اللَّيلِ رِيحٌ عَقِيمةٌ
ورُوحٌ نَأَت عَنها حِبَالُ المَرَافِئِ
إِلَى أَينَ يَمضِي اللَّيلُ؟! لا ثَمَّ مَوطِنٌ
يُنَادَى ولا صَوتٌ لِشَوقِ المَلاجئِ
بِمَن أُكمِلُ التّرحالَ والقَلبُ قاربٌ
قَدِيمٌ وصَبرٌ مُبحِرٌ دُونَ شاطِئِ!
بلادِي التي مِثلِي أَضَاعَت بلادَها
رَمَاها لِأَهلِ السُّوءِ أَهلُ المَسَاوِئِ
وهَاجَت عَليها الحَربُ مِن كُلِّ صائِبٍ
يَرَاها بلا أَهلٍ ومِن كُلِّ خاطِئِ
لَقد ذُقتُ ما يَكفِي مِن الصَّبرِ بَعدَها
ولاقَيتُ ما لاقَتْهُ مِن غَيرِ دارِئِ
لَها فِي دَمِي طِينٌ ولِي في تُرابها
دَمٌ يُوقِظُ الذكرى بمَوتٍ مُفاجِئِ
رَمَت بي على لَيلٍ أُجَاجٍ ولَم أَزَل
إِلى اليَومِ أَطوِي جِيْدَها باللَّآلِئِ
هِيَ الأُمُّ مَهما شَحَّ بالجُودِ غَيمُها
فَجَنَّاتُ عَدْنٍ مِنهُ تَحتَ المَوَاطِئِ
إِذا كَافَأَتْ يَومًا رُفَاتِي بدَمعَةٍ
وإِلَّا فَكَم كافَأْتُ مَن لَم تُكَافِئِ