تُلوِّح لي بآيات العزاءِ
وقد زحف المساء على رجائي
فتاةٌ من بنات النخل راحت
مع الأعشاب في حربٍ عياءِ
تحن لِهَمِّها العزَّاف شَجْوًا
وتأبى أن تنهنه عن إباء
تنوء بعبئها خرساءَ حتى
لتزعم صمتها عن كبرياء
وتهديكَ السبيل وقد طواها
ضلالُ البين في وهج الجفاء
تَعذَّبَ في يد الراعي هوانا
وتأبى نفسُها ذلَّ البكاء
تسخِّرها يدُ الإشفاق طوعًا
وتَسْخَر باقتحامات الهواء
عجبتُ لها أفي الصحراء مَيْنٌ
تلقّت عنه درسًا في الدهاء؟
أمِ الحادي أسرَّ لها حديثًا
عن النفس الأبيّة في الغناء؟
أمِ الإرهابُ لقّنها دروسًا
من الإعجاز في لغة الرياء؟
أم انكشفت لها أسرار «ليلى»
كأسرار السراب على الفضاء؟
فناجَتْها بأنْ للمينِ دينٌ
له حقٌّ عليها في الوفاء
فمدَّتْ كفَّها عهدًا وعهدًا
لسوف تعيش عيشَ الأقوياء
تفيض سذاجةً وتفيض مكرًا
وتُبدي غيرَ ما طيَّ الخفاء
وما برحتْ هوى الرعيان حتى
براها الشجو في ظل العزاء
ودبَّ الشيب ضعفًا في قواها
وكم للشيب من داءٍ عياء!
ولم يُجْدِ العزاء مع التصابي
فمن بدءٍ نسير إلى انتهاء
وكل فتوّةٍ تسعى لضعفٍ
كما يسعى الصباح إلى المساء
لها أسفي وقد رقدت هزالاً
يشيِّعها الأصيل بلا رثاء
ودِيستْ بالنعال وما بكاها
حنين البين أو روح الوفاء
يؤُزُّ عظامها لهبُ الصحارى
وتذروها العواصف كالهباء
مررتُ بها حزينًا شرَّدتْهُ
ظنونٌ هاجها عصف القضاء
جثوتُ إزاءها ورثتْ لسَقْمي
كما ترثي الطلا كأس الصفاء
فرحتُ بها وقد فرحتْ فكنا
كلحنين استقرَّا في الهواء
كلانا حالمٌ طرِبٌ شجيٌّ
سعيدٌ فوق أجنحة الشقاء
وقد مِلْنا مع الصفصاف لكنْ
على حَذرٍ وفي غير انحناء
كمَيل الغانيات مع السكارى
على قدرٍ وفي غير انتشاء
وقالت بعد أن دارت رحاها
وأيقنتِ المصير إلى فناء
تَقرَّبْ أيها العزّافُ مني
وخذ عني نشيدًا في العزاء
صحبْتُك فترةً أحسست أني
بُعِثتُ بها وقد سُفِكتْ دمائي
ففي عينيك يبرق لي وفاءٌ
تناهت عنده مُثُل الوفاء
وفي همسات روحك أغنياتٌ
تسامت عن شعور الأغبياء
وفي دقّات قلبك عازفاتٌ
من الإيمان تنشد في صفاء
وغمغمتِ العصا فنأيتُ عنها
فقالت لم يحنْ وقتُ التنائي
تقرَّبْ واصغِ لي واخشعْ فإني
ألقِّنك الحقيقة عن ضياء
خُذِ الدنيا كما تبدو وإلا
فخذها عن خيال الأشقياء
وخلِّ المكر في عينيك سرّاً
كما تُبدي السذاجة في جلاء
وحاذرْ من ضعيفٍ تزدريه
ولا تُفتَنْ بجاه الأقوياء
ألم تعلم بأني من قديمٍ
غزوتُ ضلال فرعونَ المرائي؟
يرائي نفسه ويقول إني
أنا الربّ المهيمن في علائي
وكابرَ إذ رأى الأقوام طوعاً
ونادى آمنوا دون امتراء
ألم يك ملك مصرٍ في يميني
وهذا النهر يشهد بارتقائي؟
وكل الناس في حكمي عبيدٌ
ومن يجحدْ فأنذِرْ بالفناء
وزاد تمردًا وازداد حمقًا
وعربد في الضلال بلا اهتداء
وتلك نهاية الفجَّار لما
يحين وعيدهم يومَ الجزاء