أفنيتُ عمرى في دجى الأحلاك
حتى اكتشفت غوامض الأفلاك
وتخذت في قمم الجبال صوامعاً
قد عشت فيها عيشة النساك
وبمرصدى أحييت ليلى قائلا
للعين لا تتمتّعى بكراك
قوى عيوني هرشل في سعيه
قصد اجتلاء مجرة وشماك
فكشفت من تلك الغوامض سرها
وجريت في الزرقاء جرى مذاكى
لو كنت في زمن الرشيد أريتكم
آيات سحر فائق الإدراك
يا قبة قد رصعت بنجومها
أنت الفتاة يشوقنى مرآك
فالطرف لم يفتن بغيرك منظرا
والقلب لم يطرب بغير بهاك
فبشهبك الغراء طاب تغزلى
ولسان حالى مفصحا حياك
أنت اكتسيت من الزمرد حلة
وتختمت بالنيرين يداك
وشددت خصرك في نطاق مجرة
ونظمت من درر النجوم حلاك
للّه در كسائك المنسوج إذ
قد طرزته أصابع الحياك
نسجته كف النور في منوال لي
ل والهلال يلوح كالمحواك
لما رأيت مودتي لك أخلصت
طول المدى أسررت لي نجواك
كم تدعى بالوهم فضلا كاذبا
وأنا لشخص العلم خير ملاك
كبرت كل صغير جسم للملا
من عالم الحيوان والأسماك
وكشفت مكروبا يعالجه الطبي
ب فكم شفى من دائه الفتاك
لو كان بقراط درى بمنافعى
ما كان في الدنيا عليل شاك
ولكنت قد أغنيتكم عن شرح تذ
كرة الحكيم بصيرنا الأنطاكي
فلكم أعدت خرافة نسجت عنا
كبنا عليها لحمة كشباك
فأريتهم أثر الخلائق حية
في غير أرض ناصب الأشراك
وخدعت أعينهم ببعض مناظر
في الثابتات وكل ذات حراك
فالناس من جرائها في شبهة
أدت لنشر تخاصم وعراك
يا أرضنا الخضراء مضمار السنا
يسرحت عيني في بديع رباك
إن الطبيعة قد حبتك محاسنا
والشمس قد رشفت كؤوس نداك
فلأنت في أزهارك الغراء قد
فقت السماء وربنا يرعاك
وشواعر الإنسان تدرك حسنك الز
اهى وتطنب في مديح سناك
فالناس بين مفضل وموفق
كم شاكر منهم وآخر شاك
والحق أن لكل شيء موقعا
كتعاقب الأنوار والأحلاك
فاجن المنافع وانبذ الأضرار
إن حماية الأزهار بالأشواك
فكمجهر لا تحقرن صغائراً
وكمرقب كن واسع الإدراك