تجارى الفنيقيّون في حلبة العلا
وكلٌّ بغار النصر عاد مكلَّلا
شواطئُ بحر الروم كانت مقرَّهم
وقد تخِذوا صورًا وصيداء موئلا
وكم مخروا بالسفن في كل وجهةٍ
بحارًا وجابوا بالقوافل مجهَلا
فقد وصلوا شرقًا بغربٍ ولم تدع
تجارتهم بابًا من الكسب مُقفَلا
ومدّوا إلى كل النواحي أكفَّهم
ولكنهم زادوا بذاك تعرقُلا
لقد انشأوا مستعمراتٍ كثيرةً
ولم يك في قلب الرعايا لهم وَلا
وحلّوا من الدنيا معاقلَ جمّةً
وليس لهم جندٌ ليحرس معقِلا
ففاجأهم إسكندرٌ بجيوشه
وصبَّ عليهم جحفلاً ثم جحفلا
فما ثبتت أسوار «صورٍ» أمامه
فأسقطها فورًا سقوطًا معجَّلا
رأيت انقسام الشعب جَرَّ خرابها
وقد كان في صُورَ التضاغُنُ مُعضِلا
وما تَرَ من شرٍّ فلست بواجدٍ
كشرِّ ذوي القربى إذا استحكم القِلى
لذلك قَرطاجنَّةٌ غصبتهُمُ
تجارتَهم كالطفل إذ عَقَّ مُطْفِلا
وقد غصب الرومان منها اتّجارها
جزاءَ الذي جاءت من الغصب أوَّلا
سَبَرطةُ ماتت من قناعة شعبها
وفينيقيا أطماعُها جرَّتِ البَلا
وأدنى لها فَرْطُ النجاح سقوطها
كما جرَّ فرطُ الأكل للجسم مقتلا
فإن اعتدال المرء في كلِّ حالةٍ
هو الغاية المُثلَى أراها المعوَّلا
وفي طلب الإفراط للمرء آفةٌ
كما أصبح التفريطُ للخُسر مُوصِلا