بذرْتَ الحُزْنَ مُحْتَفلا بغرسِه
تُهادنُهُ وأنت رهينُ حَبْسه
كَأنّكَ ما خلِقْتَ سوى لتُرْمَى
بسَهْمِ الْمَوْتِ أوْ تُسْقى بكأْسِه
غريبًا عِشْتَ في الدّنيا وحيدًا
كبدْرٍ هائمٍ ينْأى بنَفْسِه
نسجْتَ الحُزْنَ سرْبالاً قشيبًا
وعشْتَ تُغازلُ الدُّنْيَا بِلُبْسه
وصُغْتَ الدّمْعَةَ الْحَرَّى جُمانًا
يَسوقُكَ خاطرٌ جَذِلٌ بِبؤْسِه
وغالَبْتَ القوافي فاسْتكانَتْ
كَنُورٍ في الضُّحَى رهْنٌ لشَمْسِه
وحارَبْتَ الظّلامَ وسِرْتَ فيهِ
كمَنْ يُحْيي أمانيَهِ بيَأسِه!
وصُغْتَ الشّعْرَ تُرْسِلُهُ طريًّا
وتُسْعدُ مَنْ بهِ بلْوى بهَمْسِه
ولمْ تَكُ تقتفي أثَرَ القُدامى
وَلا مَنْ يشْتري غَدَهُ بأمْسِه
ولمْ تُنْكرْ على المَاضينَ صُنْعًا
وبعْضُ الأْمْرِ مقترِنٌ بعَكْسِه
وسَايَرْتَ الرّكابَ بلا امْتعاضٍ
وحرَّمْتَ القديمَ بِدونَ طَمْسِه!
وَما في خشخشات الصّدرِ همْسٌ
تُقَلّدُ فيه مِنْ رُومٍ وفُرْسِه!
فَمَا نَحتَتْ يَدَاكَ وَضَعْتَ فيهِ
وَمَا أغْراكَ نِمْتَ على دَمَقْسِه!
رحلْتَ إلى الْخُلودِ وكُنتَ تسْعى
إليْهِ فنلتَهُ،فانْعَمْ بِأُنْسِه!
فما وطِء العُلَى إلا ذوُوهُ
ومَا عافوا الثّرى إلاَّ لِبَخْسِه!
نديمَ الحرْف تذْكُرُكَ القوافي
إذا عَدَّ الزّمانُ بُناةَ أُسِّه
وَتبْقى الْبُلْبُلَ الصَّدّاحَ يشْدُو
على أغصانِهِ زَهْوًا بِعُرْسِه
وصَوْتًا لا يَبُحُّ ولا يُوَارى
يُذاعُ على المَسَامِعِ هَدْيُ دَرْسِه
فليْسَ الْحَيُّ منْ حَيِيَتْ خُطاهُ
بِلِ المذْكورَ بَعْدَ وُلُوجِ رَمْسِه