رمَضانُ أقْبلَ، هاتهِ يا تالي!
يَزْهُو الفؤادُ بنورِهِ الْمُنْثَالِ
شَوْقٌ إلى مَنْ لا يُغالبُ غُمّةً
إلاَّ أزيحَتْ كالصّدى في الْحالِ
مُتَضوِّعٌ بالمسْكِ حيثُ تشيعُهُ
يسبي الأنوفَ بعطره المنهالِ
وَيفيقُ مَنْ ركبَ الأمانيَ واختلى
بفلُولها وَسرى إلى الأدْغالِ
ويعيدُ من ضلَّ السَّبيلَ وغرّه
ما لذَّ مِنْ مُتَعٍ ومن أموالِ
كم أيقظ السّاهين من غفواتِهمْ
وأعابَ جمع الماءِ بالغربالِ
وأنيسُ عانٍ لا يسامرُهُ فمٌ
فيعودُ بعْد التِّيهِ والإجفالِ
حيثُ الحياة جميلُها وكريمُها
كمْ أنْهكتْ من ضاقَ بالأحْمَالِ
ورفيقُ ذي عِلْمٍ إلى عليائهِ
وَدواءُ سَاهٍ غافلٍ مُخْتَالِ
ومعين كل مكافحٍ متعلّمٍ
يرنو إلى شرفٍ بلا عُذّالِ
في كلِّ حرْفٍ لمْحَةٌ قدسيَّةٌ
تهدي الطريدَ إلى الكريم الوالي
آياتهُ الزّهراء نورٌ سابحٌ
يسعى طليقًا في مداهُ العالي
حلْوُ البيانِ على اللسانِ كأنّهُ
متقاطرٌ من قبضةِ العسّالِ
بالسّنْدس الْمُخضرِّ يُلبسُ عاريًا
ثوْبَ التقيِّ وَحلةَ المفضالِ
يا قارئ القرآنِ طبْتَ وَأفلَحَتْ
رُوحٌ تخلِّصُها من الأغلالِ
من بحْرِ غفلَتِها وَغيْمِ ضلالِها
وَظلامِ شقْوَتِها إلى الآمالِ
اقصدْ رحاب اللهِ واطلُبْ عَفْوَهُ
متطهّرًا من لوْثةِ الإذلالِ
وابدأ ب(فاتحة الكتابِ)لقاءَهُ
وأتمَّهُ ب(النّاسِ)قبْلَ التّالي
واعبرْ من(الإخلاصِ)حيثُ تمَتّعتْ
عيناكَ بالصافي من الأقوالِ
واصعَدْ إلى (الأعلى) بغير توقّفٍ
وابْلَغْ رحابَ (الرّعْدِ)وَ(الأنفال)
وأطلْ على الأعرافِ وقْفَةَ خاشعٍ
يخْشى الضّلالَ وميتةَ التِّمثالِ
وارْصُدْ بزهْراء الْكِتَاب وَأخْتِها
حسْنَ الثّوابِ وَهَدْيَ خيرِ الآلِ
فبكلِّ حرْفٍ عشْرةٌ مضمونةٌ
متضرّعًا للقادر الفعّالِ
وأنخ ركابَك في(القيامة) وارتشفْ
من منبعِ (الشّورى)رحيقَ السّالي
وأفض إلى (الرّحمن) واذكرْ آيةً
جمعتْ لهيب النّارِ بالصّلصالِ
وأعدْ مع (الفرقانِ) ما في(غافر)
و(الكهْفِ)من(قصص)ومنأمثالِ
من سورةٍ تسقى الجلال لسورةٍ
أخرى يفيض بمائه السّلسالِ
في روْضة الأنوارِ صُلْ متمهّلاً
وانْهلْ صفاءَ الْحقِّ والإجلالِ
وارْجعْ إلى ربٍّ حليمٍ غافرٍ
يعفو بلا حَرَجٍ عن الْجهّالِ
يُعْطِي لسائلهِ بفضْلِ زيادَةٍ
فيزيدُهُ كَرَمًا بلا منوالِ
وأعدَّ زادًا فالرحيل مسطّرٌ
والرّحلة الكبْرى بلا آجالِ
متطهّرا من كلّ رجْسٍ بالتّقى
ندمًا على ما ضاع في التّجوال
قبل استلال الروح من أغمادها
ومسيرها في الموكب الرحّالِ
ووقوفها يوم الحسابِ فلا ترى
إلا صنوفَ الضيقِ والأهوالِ
فيكون هذا الذكر أوْثقَ عُرْوَةٍ
للخائفينَ وهُمْ بلا أوصالِ
فادع الذي يهَب العطاءَ تفضُّلا
لعباده من جوده السيّالِ
يهدي إليه التائهين وأنْ يقي
من غفلة أوْ فتنة الدجّالِ
ما هذه الدّنيا سوى ذكرى مضَتْ
للعابر الباكي على الأطلالِ
أوْ سالك البيداء يحسبُ رملَها
زرْعًا يغطي الأرضَ بالأميالِ
من غاصَ فيها لا يظنُّ وداعَها
متمسّكًا بسرابها المحتالِ
فلسوْف يغفو ساعةً من بعدها
يصحو على الناقور والزلزالِ!
لا يبخسُ الميزانُ حبّةَ خرْدل
فالوزنُ عنْدَ اللهِ بالمثقالِ
يا ربُّ هذا موْعدٌ تهفو له
كلُّ النفوسِ بخالص الأعمالِ
طمعًا فجودُكَ لا يجانبُ عاصيًا
من بالغٍ كهْلٍ إلى الأطفالِ
يا ربُّ ما يرضيكَ يرْجى وحْدَهُ
لو في الغنى يؤتى وفي الإقلال
أهديتنا القرآنَ ليس كمثله
يهدي من التفصيل والإجمالِ
فَلَك الثناءُ تفيض ألسننُا به
شٌكْرًا على التنزيلِ والإنزالِ