العيونُ صَحائفُ تُتْلى
وبعضُها في النفوسِ بَلاءْ
تُبينُ ما تُخفي الشفاهُ
سيوفٌ في الأغمادِ تكادُ تدمي الجباهْ
إذا نَطَقَتْ أَفْصَحَتْ من البُلَغاءْ
تَفْضَحُ حُبّاً أو تُبينُ بَغضاءْ
تَنطِقُ قبلَ التَفَهُهِ
وكأنها لا تشتهي الإخفاءْ
إياكَ ثم إياكَ من لَحَظاتِها
تَرْمي الفؤادَ بِسَهْمٍ
ما منهُ شِفاءْ
وعيونُ المها
مكحولةٌ وعيونُ الظباءْ
نُعاسُ الطَّرْفِ يَأْسِرُ القلبَ
في حياءْ
أو فاتكاتُ اللَّحظِ
تُصيبُ الفتى بداءْ
ليسَ له استبراءْ
بها يُعرفُ المرءُ
وفيها يسكنُ اللقاءْ
العيونُ مرايا
تُنبيكَ أحاسيسَ الفتى
أَمِثلَ العيونِ يُخبركْ
بما لا تعي؟
إن أرادتْ أَصابَتْكَ
لا يُجدي الخوفُ ولا الذُّعْرُ
ما هي إلا صَحائفُ
يَكتُبُ فيها القَدَرْ
أتدري؟ كأنها كالضميرِ المستترْ
حَدِّقْ بها وتَبَصَّرْ
فيها حاجاتٌ كُثُرْ
كَيفَ تُنْبِئُكَ العيونُ
عن حالِ البشرْ؟
أَتْلُو عليكَ ما أَخْبَرَتْني به العيونُ
مَسْكَنُ السِّحْرْ
تُخْبِرُني بما لا يُنْشَرُ
في الحديثِ ولا السَّمَرْ
تَحُورُ أو تَسْتَديرُ
في غَوْرَيْهِما كالأنجمِ الزُّهْرْ
يُنبئكَ البَريقُ فيهما
ما كادَ أن يُخفيهِ سِرُّ القَدَرْ
لَحَظاتُها تُخبرُ عن حِدَّةِ البصيرةِ
لا عن حِدَّةِ البصرْ
كَحْلاءُ تَرميكَ لَحَظاتُها
يا سيوفَ الخطرْ
أو حوراءُ تَرْشُقُ القلبَ
بوابلٍ من نُبْلِ
كفى الفؤادَ منها طَعْنَةٌ
نَجْلاءُ بالأَعْيُنِ النُّجْلِ
هل تأمَّلْتَ عيونَ أطفالِ المدينةِ
في دِفءِ الربيعْ؟
تُخبرُكَ عن صِدْقٍ بلا حدودْ
تُخبرُكَ عن رجاءِ العيونِ الحالماتْ
بلا قُيودْ
في عيونِ ابْنَتَيْكَ
هل ترى الدِّفءَ بلا حدودْ؟
غابتانِ من ظِلالٍ
تَزْخَرانِ بالخلودْ
البراءةُ تَعِدُكَ
دون أن تَخافَ
أو تَدْرِي بنظراتِ اللئيمِ والحقودْ
كأنها تُواسيني:
"كلُّ ما مضى، يا أبتي، لا بدَّ أن يَعودْ
كأنه، بعد اليومِ، لا فِراقَ ولا صُدودْ"
في عَيْنَيْها كلُّ ما فَقَدْتُ
من أَخبارِ الأَحِبَّةِ والجُدودْ
عَيْنَاكِ أَم غابتا نَخيلِ بابلَ
سَرْمَدِيَّتانِ
تُحَدِّثانِ عن تاريخِ الجُدودْ
هل دقَّقْتَ في الأَحْداقِ
في المَواعِظِ والعِبَرْ؟
احذرْ عَوادِيَ الدهرِ
تَحامَلَتْ عليها بِسوءِ الأَثَرْ
تَفْتِكُ في قلبِ الفتى
بلا سَهْمٍ ولا وَتَرْ
الذَّوابلُ منها حزينةٌ
كأَجْداثِ الشجرْ
تُنبئُكَ بالماضي الحزينِ
لا بالأَمَلْ
ارحمْها، رُبَّما أَضْناها الكَدَرْ
عادَتْ عليها حادثاتُ الدهرِ والغَدَرْ
تُخبرُكَ عن صِدْقِ الحديثِ
وعن مَكْرٍ ودَهاءْ
تُخْفِيَانِ الكثيرَ
وتُفْصِحانِ عن الأَكْثَرْ
تَفْضَحُ المحبَّ بلا عَناءْ
رُبَّما تَحْتَشِدُ فيها الضغائنُ
والأَهواءْ
العيونُ مَصايدُ الأَلْبابِ
وناقوسُ الخطرْ
تَعومُ في أمواجِ بحرِ الحياةِ
في أعاليها وما اسْتَقَرْ