كذا تطمئنّ النفس من نزعاتها
وتأمن أحداثَ الزمان وتَسْلمُ
كذا تنفض الأرواح ثقلَ قيودها
فتُنجِد في عرض الفضاء وتُتْهِم
كذا الراسيات القُود تندكُّ شُمُّها
وينهار منها مخْرَمٌ ثمَّ مخْرَم
كذا تغرب الأقمار في غيهب السما
وترتدّ آفاقُ المنابر تُظْلِم
كذا سُنَّة الآجال لا متأخِّرٌ
لديها إذا وافت ولا متقدِّم
كذا ينطوي «محمودُ» والشيب شاملٌ
ويقضي رفيقٌ والشباب منعَّم
وإنَّ هلالاً غاب قبل أوانه
أعزُّ على العلياء منها وأكرم
ورُبَّ هلالٍ غاب والبدر طالعٌ
يضيء به أفق العلا وهو مظلم
فما خِلْتُ أن الشبل والليث راصدٌ
يُقاد بأيدي النازلات ويخطم
ويا ربَّ سِربٍ آمنٍ في كناسِهِ
يُراعُ وحاميه لدى الروع ضيغم
فتنشب فيه للحتوف مخالبٌ
وتنفذ فيه للمقادير أسهم
ولو أمهلَتْهُ الحادثاتُ لأبصرتْ
جلائلَ أعمالٍ تُبثّ وتُبرم
ولكنها الآجال لا الشيبُ عندها
تراعي ولا غصنُ الشبيبة يُرحم
ذوى وهوى غصن الشباب ونجمه
فوجه سماء الروض أغبرُ أقتم
أمِنْ بعد ما قرَّتْ به العينُ تنثني
عليه دموع العين تهمي وتسجم
لقد كان ملء العين حسنًا وبهجةً
فأصبح ملء القلب والقلبُ مُضْرَم
وقد كان مأمولاً به الخيرُ فانثنى
على اليأس منه الناظر المتوسّم
يموت الفتيُّ السنُّ للخير يُرتَجَى
ومن ليس يُرجَى عنده الخير يَهرم
وكان كزهر الروض وهو مفتَّحٌ
تضوع بريّاه الصَّبا ومُكمَّم
فعاد ولا ذاك السنا منه يُجتلى
وعدنْا ولا تلك النسائم تَنْسَم
مُجاورُ محمودٍ مجاور أروعٍ
أمين الحمى والروع يدهى ويدهم
حنانك يا محمودُ حيّاً وميّتًا
ملاذٌ يجير الخائفين ومعصم
سيحمد منك العطفَ «ابنُ حمادةٍ»
ولا الأب يكلاه ولا الأمّ ترأم
ويأخذ من ذاك الحنان نصيبَه
أخو رشأٍ يعنو إليك وينعم
ففي ذمّة الأشجان من ظل باكيًا
وفي ذمّة الولدان من راح يبسم
ألا إن يومًا فيه محمودُ قد ثوى
لَيومٌ على أهل الفضائل أشأم
لقد أحزن الأدنين إذ قيل راحلٌ
كما أطرب النائين إذ قيل يقدم
يودّعه مُستعبرًا كاظميُّها
ويلقاه بالبِشْر «الوليد» و«مسلم»
فقام له في ظاهر الأرض مأتمٌ
وقام له في باطن التُّرب موسم