والآنَ أصبحتَ لا أهلٌ ولا وَلَدُ
وصرتَ وحدَكَ مِنْ لا شئَ ترتعِدُ
ترنو إلى طرُقٍ لا يمرحونَ بها
وتسألُ اللهَ لو منهم أتى أحَدُ
ها أنتَ بتَّ لهم تبكي فوا عجَباً
ألسْتَ كنتَ إذا جاءُوكَ تبتعِدُ؟
وكنتَ لو شاكَسُوا بعضاً تُعاقِبُهُم
وتدَّعي أنّهم لا غيرَهُمْ نَكَدُ
أَلَمْ تقُلْ قبلَ يومٍ ليتني رجُلٌ
بلا عِيَالٍ ولا وِرْدٍ له أرِدُ؟
لأنهم لم يناموا قبلَ موعِدِهِمْ
والآنَ يا ليتهمْ عادوا ولا رقدوا
وكنتَ لو أشعَلوا المِصباحَ تزجُرُهُمْ
ناموا إلى الموتِ يا أولادِ وانْخَمِدوا
والآنَ ها أنتَ تبكي في أسرّتِهِمْ
إذا الرياحُ التَقَتْها هزّكَ الرّعَدُ
وأمْطَرَتْ عينُكَ السوداءُ مِنْ سُحُبٍ
لهُ على مُقْلَةٍ تشتاقُهُم رمَدُ
ها أنتَ أصْبَحْتَ مُشْتاقاً لِضَجَّتِهِمْ
وصرتَ حتى صُراخَ الطِّفْلِ تَفْتَقِدُ
حتى العصافيرُ عني هاجَرَتْ معَهمْ
بالأمسِ كانتْ على الشُّبّاكِ تحتشِدُ
هذي أسِرَّتُهُمْ هذي ملابسُهُمْ
هذي خُطاهُمْ بشيءٍ لَمْ تَعُدْ تَعِدُ
هنا اسْتَراحُوا هنا نامُوا هُنا لَعِبوا
هناكَ صاحُوا هنا صَلَّوْا هنا سَجَدوا
كفاكِ يا عَيْنِ دَمْعاً تُوهِمينَ بهِ
قلباً سِواكِ مُوَاسٍ صارَ لا يَجِدُ
وكنتَ مِنْ أُمِّهِمْ تُلْغي مَحاسِنَها
وكانَ مِنْ خَدِّها المِصْباحُ يَتّقِدُ
كانتْ لديْها طِباعُ الطيْرِ مِشْيَتُهُ
هُدُوؤهُ روحُهُ إصرارُهُ الجَلَدُ
كانتْ على عَتَباتِ الدارِ دائرةً
تُعْطِي الكثيرَ لِمَنْ في الحُبِّ يَقْتَصِدُ
وكنتَ يا ناكرَ المعروفِ تُرْهِقُها
لِعيْنِ مَنْ ليسَ مِنْها للسِّنينَ يَدُ
وكنتَ قاسي عليها وهيَ رائِعةٌ
وكنتَ تُلْقِي وتَسْتَلْقي وتَنْتَقِدُ
يدورُ ناعورُهُمْ طولَ النَّهار ولوْ
جاءَ الظَّلامُ بهِ الفَلّاحُ يَنْفَرِدُ
كأنما الأُمُّ مِنْ صَخْرٍ مَفاصِلُها
أَو مِنْ حَديدٍ لَها مِنْ دونِهِمْ جَسَدُ
تبقى الحَمائِمُ طولَ الدَّهْرِ جارِيَةً
وأنتَ جاثٍ لأكْلِ الزَّادِ يا أسَدُ
عَظَّمْتُ فيكِ نِساءَ الأرضِ قدْ تَعِبَتْ
مِنْ فَرْطِ ما غُصْنُكِ القِدّاحُ يَجْتَهِدُ
البَيْتُ والزَّوجُ والأَوْلادُ مِنْ طَرَفٍ
وفوقَ هذا هي الطَّرْفُ الذي يَلِدُ
أدْرَكْتَ بَعْدَ التَنَحِّي عنْ مَعاقِلِهِمْ
أنّ النِّساءَ على بُلْدانِنا بَلَدُ
الآنَ أصْبَحْتَ تَنْعاها وقد أَفَلَتْ
وعادَتِ البِرَكُ الزَّرْقاءُ تَنْجَمِدُ
كانتْ مُناها بِبَيْتٍ فيهِ تَذْكُرُها
مِنْ شِعْرِكَ العَذْبِ أو وَعْدٍ بهِ تَعِدُ
الآنَ أدركتَ أنَّ الأرضَ سائرةٌ
وكلَّ شيءٍ لَهُ قَلْبٌ لَهُ أَمَدُ
فلا ترى لكَ في الأَيّامِ مِنْ طَبَقٍ
ولا الأصابعُ في كَفَّيْكَ تَتَّحِدُ
وقد مضى السِّربُ وانجابَتْ مَسالِكُهُ
وصرتَ تدنو وصارَ السِّرْبُ يَبْتَعِدُ
اجْلِسْ لقدْ فاتَكَ الميعادُ يا رجُلاً
على خَرِيرِ مَجَاري الماءِ يَعْتَمِدُ