عَفا الحُبُّ إِلّا مِن أَنِينٍ شَجانا
وَهَدَّت خُطوبُ البَينِ صَرخَةَ مَن بانا
شَحَبنا وَلَو طالَ العِتابُ لَمِثلِنا
لَما تَرَكَ الشَوقُ المُبَرِّحُ كِتمانا
يَقولونَ: بانَ الحَيُّ قُلتُ: بَلِ المَدى
تَقَطَّعَ في أَيدي الحَبيبِ شَظايانا
حِبالٌ مِنَ الأَوهامِ كُنّا نَشُدُّها
فَأَمست هَباءً في الرِياحِ وَدُخانا
حَيِّ الثَرى "سَلقِيَنَ" إِذ نَحنُ جيرَةٌ
وَلا تَسقِ إِلّا مَن نُحِبُّ سُقيانا
فَلا الدارُ بَعدَ الظاعِنينَ كَعَهدِنا
وَلا القَلبُ بَعدَ الراحِلينَ هَوانا
نَسيرُ خَلفَ الأَظعانِ تَهوي قُلوبُنا
كَأَنَّ السَرابَ الطاميَ اليَومَ حادانا
يُرَوِّعُنا صَوتُ الحُداءِ كَأَنَّهُ
نَعِيُّ نُفوسٍ لَم تَجِدْ لَكِ سُلوانا
رَأيتُ المَنايا في العُيونِ رَواحِلاً
تُساقُ وَمَوجُ المَوتِ يَغشى زَوايانا
أُكابِدُ مَوجَ الغَمِّ بَعدَ رَحيلِكُم
فَأَدعو إِلَهَ العَرشِ سِرّاً وَتِبيانا
أَمُرُّ عَلى الجُدرانِ لَثماً لِظِلِّها
فَتَبكي دُموعُ الوَجدِ حُزناً وَحِرمانا
وَهَل تَنطِقُ الأَحجارُ إِن جِئتُ سائِلاً
عَنِ الرَكبِ لَمّا استَودَعوهُ حَشَايَانَا؟
وَقَفنا كَأَنَّ الأَرضَ مَادَتْ بِخَطْوِنا
وَصارَ فَضاءُ الكَونِ ضيقاً وَسِجّانا
تَخَطَّفتِ الأَقدارُ شَملاً مُمَنَّعاً
وَبَدَّلَتِ الآمالَ ذُعراً وَإِمعانا
أَيا عَبْرَةً فاضَت لِبَينٍ مُشَتِّتٍ
أريقِي دَمَ الأَجفانِ نَهراً وَطُوفانا
رَحَلنَ فَلَم يَترُكنَ لِلصَبرِ مَوطِناً
وَخَلَّفنَ في رَوعِ الشَجِيِّ نِيرانا
يُذَكِّرُني وَجهُ السَماءِ جَمالَهُم
فَتُشرِقُ آمالي وَتَخبو رَزايانا
سَأَلنا الرِياحَ الذارِياتِ لَعَلَّها
تُجيبُ صَدى المَحزونِ رُوحاً وَرَيحانا
فَما رَدَّتِ الأَطوادُ رَجعَ نِدائِنا
وَلا رَقَّ قَلبُ الدَهرِ يَوماً لِشَكوانا
بَقِينَا نُعَلِّي بِالأَمَانِيِّ أَنْفُسًا
وَنَرْجُو لِقَاءً لَمْ يُقَدَّرْ لِمَحْيَانَا
أَيا راكِبَ البَرقِ السَريعِ رِحالهُ
بَلِّغ تَحايا الشَوقِ عَنّا بَقايانا
تَحَمَّل رَسائِلَ لَم يُخَطَّ مِدادُها
سِوى بِمِدادِ العَينِ يَجري هَتّانا
وَقُل لِلَّذي يَمضي بِرُوحِيَ مَعَهُ:
رُوَيدَكَ، إِنَّ القَلبَ أَضحى هَدايانا
أَمينٌ، وَهَل لِلشَوقِ حَقّاً أَمانَةٌ؟
إِذَا خَانَ صِدْقُ الوَصْلِ مَنْ كَانَ حَمَانا
نُزِفُّ السَلامَ لِأَرْضٍ كَانَ مَنْشَؤُها
وَهَيهاتَ أَن يُشفي السَلامُ جَوانا
بَلِّغ رَسائِلَ لَم تُثقِل رَواحِلَنا
لَكِنَّها هَدَّت بِالثِقالِ حَنايانا
سَرَت في مَهَبِّ الريحِ تَبغي دِيارَهُم
كَأَنَّ رَفيفَ النَبضِ حادٍ لِمَسرانا
أَماناتُ صَبٍّ لَم يَخُن قَطُّ عَهْدَهُ
وَإِن جَرَّعوهُ الهَجرَ صاباً وَأَشجانا
إِذا ما لَقيتَ الرَكبَ قُل: يا أُهَيلَنا
بَكَت بَعدَكُم حَتّى الجَماداتُ أَوْطانا
تَحِيَّتُنا نَفحٌ مِنَ المِسكِ صاغَهُ
زَفيرُ فُؤادٍ شَفَّهُ الوَجْدُ أَضنانا
وَخَبِّرهُمُ أَنَّ اللياليَ بَعدَهُم
تَمُرُّ طِوالاً، لا نَرى الصُبحَ أَحْيانا
فَمَن لِغَريبٍ ضَيَّعَ الوَجدُ رُشدَهُ
وَأَمْسَى بِأَمْواجِ الحَنِيْنِ غَرَقانا
رَسائِلُنا طَيَّ الغَمامِ نَبُثُّها
لَعَلَّ حَيا الماطِرِ يُروي صَدايانا
نَخُطُّ عَلى رَمْلِ الفَيافِي عُهودَنا
فَتَمحو رِياحُ البَينِ مَجداً وَأَزمانا
أَيا رِيحُ لَو مَرَّت بِشَجوِيَ نَسْمَةٌ
لَأَذكَت لَهيبَ القَلبِ وَجداً صَلَيانا
نَشَدْتُ، فَمَا أَصْغَى لِصَوْتِيَ مُجِيبُهُمْ
وَبُعْدُ مَدَاهُمْ قَدْ أَهَدَّ الكَيَانَا
تَمَنَّيْتُ لَوْ أَنَّ الجَنَاحَ يُقِلُّنِي
لَأَغْدُوَ نَحْوَ الرَّكْبِ طَيراً وَعَجْلانا
وَلَكِنَّ قَيدي في الغَرامِ مُكَبَّلٌ
وَجُرْحِيَ أَعيا أَيُّها القَوْمُ لُقمانا
أَلا رُبَّ مَرسولٍ بَليدٍ لَقيتُهُ
رَمى بِرَسائِيلي جَفاءً وَنُكرانا
فَصِرتُ أنا المَبعوثُ، والشَوقُ راحِلَتي
أَجوبُ فِجاجَ الأَرضِ صِدقاً وَتَحنانا
أَيا "سارَةَ" المَجدِ الَّتي في جَبينِها
شُموسٌ تُنيرُ الدَهرَ صِدقاً وَبُرهانا
بِأُمِّ "مُحَمَّدٍ" نَستَجيرُ مِنَ النَوى
إِذا هَبَّ ريحُ اليَأسِ يَذرُو بَقايانا
تُصيبُ رِماحُ الغَدرِ قَلبي وَأَنتِ مَن
غَرَستِ نِصالَ الوَصلِ نُبلاً وَإِيمانا
أَلَم تَذكُري عَهداً لَنا في ظِلالِكُم؟
أَم أَنَّ سَمومَ الهَجرِ أَنسَت حَكايانا
هَلّا تَحَرَّجتِ مِن قَتيلٍ سِهامُهُ
لِحاظُكِ، مَهما قُلتِ: "كَانَ الَّذي كَانا"
رُدّي عَلَيَّ الروحَ، إِنِّي تَرَكتُها
مَعَلَّقَةً بَينَ الرُموشِ حَيارانا
أَيا سَيِّدَ الخَفَرَاتِ هَل لَكِ نَظرَةٌ
تُعيدُ لِجَدبِ القَلبِ رَوْضاً وَغُدرانا
لَعَمْرِي لَقَد أَسْرَفْتِ في الكَيْدِ والظُبا
وَقَلبي كَطِفلٍ يَرْتَجي الصَفحَ غَفْرانا
تَسيرينَ كَالبَدْرِ المُنيرِ بِدُجْنَةٍ
وَنَحْنُ الهَباءُ الضائِعُ اليَومَ رُهْبانا
جَزاكِ إِلَهُ العَرشِ عَنّا بِمِثْلِ ما
بَذَلْتِ مِنَ الحِرْمانِ صَاباً وَأَحْزانا
أَلَم تَسْمَعي أَنَّ النِساءَ جَواهِرٌ؟
وَأَنَّكِ كُنْتِ الدُرَّ عِقداً وَتِيجانا
فَيَا وَيْحَ نَفْسِي كَيْفَ ضَاعَ وَقَارُهَا
أَمَامَ جَمَالٍ لَا يَرُدُّ رَجَانَا
تَقُولينَ لِي: "صَبْرًا"، وَأَيْنَ لِيَ الجَلَدْ؟
وَقَد أَخَذَتْ عَيناكِ كُلَّ سَجايانا
خُذيني كَأَسيرٍ في حِبالِكِ مُوثَقٍ
وَلا تَتْرُكيني في الفَيافي ظَمْآنا
أغارُ عَلَيْكِ مِن نَسيمٍ مُداعِبٍ
وَأَخشى عَلَيكِ العَينَ حَتّى بَرايانا
فَأَنْتِ المَلاذُ العَذْبُ في كُلِّ شِدَّةٍ
وَأَنْتِ الشَقاءُ الَّذي أَوْرَدَ حِمانا
بَنَيْتُ لَكِ في الصَدْرِ دَاراً مَنِيعَةً
فَأَمْسَتْ جُيوشُ الهَجْرِ تَهْدِمُ بُنْيانا
أَيا حُرَّةً صَانَتْ مَوَدَّةَ أَهْلِها
أَفِي حُبِّنا صَارَ العَفَافُ نِسْيانا؟
لَقَد عِشْتُ دَهْراً لا أُطِيعُ لِوَعْجَةٍ
حَتّى رَأَيْتُكِ، فَارْتَحَلْتُ عُرْيانا
فَإِنْ شِئْتِ قَتْلي فَاحْكُمي بِمَوَدَّةٍ
فَما قُبِرَ المَفتونُ إِلّا كَفانا
إِذا سَلَّتِ الأَحداقُ نَصلَ نِصالِها
فَلا دِرعَ يُنجي، بَل نَذوبُ هَوانا
تُصيبُ نِياطَ القَلبِ وَهيَ سَواكِنٌ
فَارْحَلْ بِنَاصِرَ مَيِّتاً وَظَمانا
إِنَّ العُيونَ السارَوِيَّةَ بَرقُها
يُذيبُ جِبالَ الثَلجِ لُطفاً وَطُغيانا
قَتَلنَنا؟ لا! بَل أَعدَمَت كُلَّ ذَرَّةٍ
مِنَ الصَبرِ، حَتّى أُزهِقَت لُقِيانا
يَصرَعنَ ذا اللُبِّ؟ بَل تُبيدُ عُقولَنا
وَتَجعَلُ عاتي المَلكِ طِفلاً وَعُريانا
ضَعيفَةُ الأَركانِ؟ كَيفَ وَفِعلُها
يَهُدُّ حُصونَ الشِعرِ بَحراً وَأَوزانا
سَوادُها كَالليلِ حِينَ تَمامِهِ
وَبَياضُها صُبْحٌ أَضاءَ سَمانا
إِذا رَنَتْ خِلْتَ المَنايا رَواكِداً
وَإِذا غَضَتْ خِلْتَ الحَياةَ أَمانا
لَها نَظرَةٌ لَو لامَسَتْ صَخْرَ صَيْلَمٍ
لَسالَ عَقِيقاً فَوْقَ صَدْرِ رُبانا
تُسافِرُ فِيهَا الروحُ دُونَ هِدايَةٍ
فَتَغْرَقُ فِي لُجِّ الجَمالِ جَنايانا
أَرينَهُ المَوتَ؟ بَل أَرَينَهُ خُلدهُ
بِجَنَّةِ حُبٍّ لَمْ تُرِدْ نُقْصانا
مَثلوجَةُ الريقِ، البَهاءُ خِمارُها
تَسيلُ بِعِطرِ المِسكِ نَفحاً وَأَغصانا
كَأَنَّ سَوادَ العَيْنِ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ
تَخافُ المَرافِي مَوْجَهُ وَشَواطانا
إِذا أَطْرَقَتْ ذَلَّ الزَمانُ لِحُسْنِها
وَإِنْ نَظَرَتْ هَزَّتْ عُرُوشاً وَتِيجانا
نَبالُ لِحاظٍ لا يُرَدُّ قَضاؤُها
إِذا صَوَّبَتْ نَحْوَ الفُؤادِ رَمَايانا
فَلا "حَورٌ" يُدمي كَلَحظِكِ إِن هَوى
عَلى مُهجَةٍ، ظَلَّت تَموتُ تِحنانا
رُموشٌ كَأَطرافِ الأَسِنَّةِ شُرَّعاً
تَحْمِي لِواءَ الحُسْنِ غَيْثاً وَأَفْنانا
عَجِبْتُ لِجَفْنٍ كَيْفَ يَحْمِلُ قُدْرَةً
تُبِيدُ جُيُوشاً، بَلْ تُذِيبُ جَنانا
هِيَ القَدَرُ المَكْتُوبُ فِي لَوْحِ عِشْقِنا
فَكَيْفَ نَفِرُّ وَقَدْ مَلَكْتِ خَفايانا؟
فَيا سارَةَ العَيْنَيْنِ رِفقاً بِمُهْجَةٍ
تَرى فِي سَوادِ العَيْنِ نُوراً وَسُلطانا
أُغَنّي لِ "سارَ" وَالقَوافي تَهابُها
كَأَنَّ حُروفِيَ تَنحَني الآنَ تِحْنانا
رَقِيقَةُ حُسنٍ، لَو مَشَت فَوقَ ريشَةٍ
لَما أَحسَسَت مِنها الوَريفَةُ ثِقلانا
لَها مِشيَةٌ كَالغَيمِ تَهطِلُ رَحَمَةً
وَتَتركُ جَدبَ القَلبِ رَوضاً وَفِينانا
يَغارُ بَهِيُّ البَدْرِ مِنْ حُسْنِ سارَةٍ
وَيَخْجَلُ بَدْرُ التَّمِّ عِنْدَ لُقِيانا
لَكِ المَنطِقُ العَذبُ الَّذي لَو سَمِعتُهُ
نَسيتُ لُغاتِ الناسِ عُرباً وَرُومانا
كَأَنَّ ابْتِساماً مِنْ ثَناياكِ فَجْرُنا
إِذا أَظْلَمَتْ سُودُ الليالي وَمَمْشانا
تَميسُ كَغُصنِ البانِ هَزَّتُهُ ريحُنا
فَيُهدي لَنا المِسكَ الذَكيَّ أَفانانا
فَيا ظَبيَةً تَرعى القُلوبَ بِجَفنِها
رُويدَكِ.. هَذا القَلبُ ذاقَ خُذْلانا
نَقَشْتُ اسْمَكِ المَعْسولَ فِي كُلِّ نَبْضَةٍ
فَصارَ دَمِي يَجْري بِاسْمِكِ أَلحانا
أُحِبُّكِ حُبَّاً لَوْ أَعَرْنَا بَهَاءَهُ
لِكُلِّ مَلِيحٍ، لَاسْتَطَابَ لِقَانَا
خُلِقْتِ مِنَ النُورِ المُصَفَّى وَرِقَّةٍ
وَصاغَكِ رَبُّ العَرْشِ لِلرُوحِ إِحْسانا
إِذا ما لَمَسْتِ الرَمْلَ صَارَ زَبَرْجَداً
وَإِنْ نُحْتِ صَارَ المُرُّ فِي الحَلْقِ رُمّانا
أَعُوذُ بِحُسْنِ اللَهِ مِنْ فِتْنَةِ الهَوى
وَأَنْتِ بَلاءٌ يَسْتَلِذُّ بِهِ مَنْ دانا
فَلا تَقْطَعِي حَبْلَ الوِدادِ جَهالَةً
فَمَنْ لِي إِذا أَضْحَيْتِ بِالبُعْدِ هِجْرانا؟
أَراكِ بِصَحْوِي وَالمَنامِ ملاكَةً
تُطَيِّبُ بِالأَنْفاسِ طِيناً وَوُجْدانا
بِنَفْسِيَ تِلْكا الغُرَّةُ البِيضُ وَالسَنا
وَقَدْ جَعَلَتْ بِيضَ القَوافي لَكِ شانا
تَعَالَيْ نُعِيِدُ الكَوْنَ بِكْراً كَما بَدا
نَكُونُ بِهِ رُوحاً، وَنَحْيَا بِرُوحانا
فَما الحُسْنُ إِلّا مَا رَأَتْهُ عُيُونُنا
بِ "سارةَ" حُسْناً لا يُقاسُ بِمَنْ بانا
سَأَبْقى عَلى دِينِ الغَرامِ مُرَابِطاً
أُصَلِّي بِذِكْراكِ القَصائِدَ قُربانا
فَأَنْتِ بُيُوتُ الشِعْرِ، أَنْتِ حُروفُهُ
وَدُونَكِ لا شِعْرٌ يُصاغُ وَإِنْ زانا
أُحِبُّكِ حُبَّاً لَوْ نَضَحْنَا بَعْضَهُ
عَلَى الجَدْبِ أَضْحَى العَالَمُونَ جِنَانَا
أُحِبُّكِ حُبَّاً لَوْ سَقَيْنَا بِهِ الوَرَى
لَذَابُوا هِيَاماً، وَاسْتَفَاضَ هَوَانَا
أُباهِلُ فِيكِ الغيدَ في كُلِّ مَحفَلٍ
وَأَقطَعُ شَكَّ الحاسِدينَ بِيُميانا
تَجَمَّعَتِ الأَوصافُ فِيكِ فَريدَةً
فَلا الشَمسُ تُدنينا، وَلا الحُسنُ أَقصانا
أَقولُ لِكُلِّ الغيدِ: هَذي أَميرَتي
فَمَن كانَ يَهواها، سَيَعبُدُ مَسرانا
عَفافٌ، وَطُهرٌ، وَاصطِبارٌ، وَحِكمَةٌ
حَويتِ خِصالاً عَن نِساءٍ وَإِنسانا
إِذا حَضَرَت "سارُ" بِمَحفِلِ نِسوَةٍ
خَمَدت مَصابيحُ الجَمالِ بِدُنيانا
مَدِيحي لَكِ التَقْدِيسُ فِي كُلِّ آيَةٍ
وَمَنْ مِثْلُ "سارَةَ" مَنزِلاً وَمَكانا
رَزَانَةُ عَقْلٍ لَوْ أُعِيرَتْ لِجاهِلٍ
لَصارَ حَكِيماً يُرشِدُ النَّاسَ عِرفانا
هِيَ الغَيْثُ لِلْمَلْهُوفِ، وَالغَوْثُ لِلْفَتى
وَهِيَ النَعِيمُ إِذا الجَحِيمُ تَوَلّانا
سَأَجْعَلُ مِنْ نَعْلَيْكِ تِيجَانَ عِزَّتِي
وَمِنْ ذِكْرِكِ المَحْمُودِ نَبضاً وَشِريانا
فَيا سارَةَ العَلْيَاءِ مَنْ مِثْلُكِ انْبَرَى
لِيَمْلأَ كَوْنَ الصَمْتِ شَدْواً وَأَلحانا؟
تَعَالَيْتِ يَا "سارُ" العَظِيمَةِ مَحْتِداً
وَطُلْتِ بِمَجْدِ الطُهْرِ أَهْلاً وَجِيرانا
إِذا ذُكِرَ المَعْرُوفُ كُنْتِ غِيَاثَهُ
وَإِنْ عُدَّتِ الأَنْسَابُ كُنْتِ نَوايانا
أَمُحَمَّدٌ ذُخْرٌ لَنا وَمَفَاخِرٌ
وَأَنْتِ الَّتِي صُغْتِ المَعَالِيَ كَيانا
لَكِ الهَيْبَةُ القَعْسَاءُ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ
تُطَأْطِئُ صِيدُ القَوْمِ لَكِ رُغْمانا
مَلَكْتِ عِنانَ الحُسْنِ وَالخُلْقِ مَعاً
فَمَا ابْتَغَتِ الأَخْلاقُ غَيْرَكِ عُنْوانا
نَزِهْتِ عَنِ الأَدْنَاسِ فِي زَمَنِ الرَدَى
فَكُنْتِ كَنُورِ القُدْسِ يَجْلُو عَمايانا
يَمِينُكِ بَحْرٌ بِالعَطَاءِ مَواطِرٌ
وَقَلْبُكِ رَوْضٌ أَنْبَتَ الوَرْدَ لُقِيانا
سَلامٌ عَلى نَفْسٍ زَكِيٍّ بِنَاؤُها
بَنَتْ مِنْ صُرُوحِ الكِبْرِيَاءِ أَرْكانا
تَرُومُ نِساءُ الأَرْضِ بَعْضَ مَلاحَةٍ
وَأَنْتِ جَمَالُ الكَوْنِ فِيكِ كَفانا
إِذا نَطَقَتْ "سارُ" اسْتَكانَ بَيانُنا
وَأَخْرَسَ صَوْتُ الحَقِّ لَغْواً وَبُهتانا
مُبرَّأَةٌ مِن كُلِّ نَقْصٍ وَرِيبَةٍ
كَمَا انشَقَّ صُبْحٌ يَطْرُدُ الليلَ حِيرانا
يَقُولُونَ: هَل فِيهَا عُيُوبٌ؟ فَقُلْتُ: لا
سِوى أَنَّ مَن يَهواكِ يَضْحَى سُلْطانا
تَقُودُ لِوَاءَ الصَبْرِ فِي كُلِّ مِحْنَةٍ
وَتَمْسَحُ عَنْ وَجْهِ الحَزِينِ أَسايانا
عَلَيْكِ مِنَ الرَحْمَنِ أَسْمَى سَحائِبٍ
تُظَلِّلُ بَيْتاً بِالعَفَافِ قَدِ ازدانا
لَو أَنَّ مَدِيحِي فِيكِ يُكْتَبُ بِالضِيا
لَغارَتْ نُجُومُ الخُلْدِ مِمّا جَلانا
سَمَوْتِ بِمِقْدارٍ وَعِزٍّ وَرِفْعَةٍ
فَصارَ جَرِيرٌ عِندَ ذِكْرِكِ هَذْيانا
تُبَاهِي بِكِ الأَمْجادُ أَنَّكِ فَخْرُها
وَتَفْخَرُ بِكِ "سَلقينُ" أَهْلاً وَوِلْدانا
أَيَا دُرَّةً ضَاقَتْ بِهَا كُلُّ لُجَّةٍ
فَأَصْبَحَتِ الآفَاقُ لِلْحُسْنِ مَيْدانا
أُحِبُّكِ حُبَّاً لَوْ يُوَزَّعُ فَيْضُهُ
عَلَى الخَلْقِ، لَمْ يَبْرَحْ كَرِيماً رَجَانَا
نُحِبُّكِ حُبَّاً لَيْسَ يُدْرِكُ حَدَّهُ
سِوى مَن بَراكِ وَصاغَ هَذا شَانا
فَعِيشِي أَمِيرَةً لِلقُلُوبِ وَتَاجَها
فَأَنْتِ كَمَالُ الحُسْنِ رُوحاً وَإِحسانا
أَيا حَبَّذا "سَلقِيَنُ" مِن بَينِ مَنزِلٍ
وَحَبَّذا ساكِنٌ في الأَرضِ قَد بانا
بِها شَجَرُ الزَيتونِ يَحكي عُهودَنا
وَيَشهَدُ أَنَّ الحُسنَ فيها قَدِ ازدانا
نَفَحاتُها تَشفي العَليلَ بِلُطفِها
وَتُرجِعُ نَبضَ القَلبِ حَيّاً وَرَيّانا
أَيُرجِعُ هَذا الدَهرُ يَوماً لِ "سَلقِيَنٍ"
نَعِيماً سَقانا الصَفوَ شَهداً وَتَحْنانا؟
أَزمانَ نَهوى، وَالخَلائِقُ غُفَّلٌ
وَنَسحَبُ ذَيلَ التِيهِ فَخراً وَسُلطانا
بُورِكْتِ "سَلقِينُ" الجَمالِ وَبُورِكَتْ
خُطىً قَدْ مَشَتْ فَوْقَ الرُبى حُسْنَ لُقِيانا
أَيا جَنَّةَ الغَبراءِ فِي كُلِّ نَظْرَةٍ
تُعِيدُ شَ شبابَ الرُوحِ عِزّاً وَعُنْوانا
هَواءُ رُباها مِسكُ طِيْبٍ وَعَنْبَرٍ
وَمَاءُ ثَراها كَالسُلافَةِ نَدْيانا
تَحِنُّ إِلى زَيْتُونِها كُلُّ مُهْجَةٍ
وَتَنْحَني الهَاماتُ لِلْجِذْعِ شُكْرانا
إِذا ذُكِرَتْ "سَلقِينُ" صَارَ فُؤادِيَ
كَطَيْرٍ رَمَاهُ البَيْنُ شَوْقاً فَحِينانا
دِيارٌ بِهَا نُورُ المَلاحَةِ قَدْ سَرى
فَأَلْبَسَ صَخْرَ القاعِ وَرداً وَأَفنانا
نَمِيلُ مَعَ الأَغْصانِ شَوْقاً لِأَهْلِها
وَنَبْكِي بِها العَهْدَ الَّذِي كَانَ فِينانا
فَلا نَجْدَ لِي إِلّا مَقامُكِ فِي الحَشا
وَلا رَيَّ لِي إِلّا لِقَاءٌ تَدَانانا
يَمُرُّ نَسيمُ الفَجْرِ يَحْمِلُ سِرَّنا
إِلى غُرَفٍ كَانَتْ لِ "سارةَ" مَسْكانا
تَلَفَّتُّ نَحْوَ "الشَرْقِ" يَوْماً لَعَلَّني
أَرى مِنْ سَنا أَبْرَاجِها نُورَ دُنْيانا
فَما كُلُّ أَرْضٍ قَدْ تَطِيبُ لِعَاشِقٍ
وَلا كُلُّ نَبْعٍ يَقْتُلُ الشَوْقَ ظَمْآنا
سَقَى اللَهُ رِيضَانَ الجَمَالِ بِ "سَلقِيَنٍ"
وَجادَ عَلَيْها الغَيْثُ نَوْءاً وَسَحّانا
إِذا هَبَّتِ الأَشْواقُ طارَتْ نُفُوسُنا
تَحُومُ كَأَسْرابِ القَطَا فَوْقَ غُدْرانا
فَيا لَيْتَ لِي بَيْنَ البَساتِينِ رَجْعَةً
لِأُهدي لِأَحجارِ الطَرِيْقِ هَدايانا
هِيَ القِبْلَةُ الأُولى لِقَلْبِي وَنَبْضِهِ
وَدُونِ ثَراها تَصْبِحُ الأَرْضُ خُذْلانا
أَيَا حَبَّذَا "سَلْقِينُ" مِنْ بَيْنِ دِمْنَةٍ
وَحَبَّذَا سُكَّانُهَا حَيْثُمَا زَانَا
هِيَ القِبْلَةُ الأُولى لِقَلْبِي وَنَبْضِهِ
وَدُونِ ثَراها تَصْبِحُ الأَرْضُ خُذْلانا
إِذا ذُكِرَتْ "سَلقينُ" صَارَ فُؤادِيَ
كَطَيْرٍ أَضاعَ الوَكْرَ حِيناً فَحِيانا
فَما كُلُّ أَرْضٍ قَدْ تَطِيبُ لِعَاشِقٍ
وَلا كُلُّ نَبْعٍ يَقْتُلُ الشَوْقَ ظَمْآنا
أَيا جَنَّةَ الغَبراءِ فِي كُلِّ نَظْرَةٍ
تُعِيدُ شَبابَ الرُوحِ عِزّاً وَعُنْوانا
دِيارٌ بِهَا نُورُ المَلاحَةِ قَدْ سَرى
فَأَلْبَسَ صَخْرَ القاعِ دِيباجَ أَلْوانا
هَواءُ رُباها مِسكُ طِيْبٍ وَعَنْبَرٍ
وَمَاءُ ثَراها كَالسُلافَةِ أَمْزانا
نَفَحاتُها تَشفي العَليلَ بِلُطفِها
وَتُرجِعُ نَبضَ القَلبِ حَيّاً وَرَيّانا
بِها شَجَرُ الزَيتونِ يَحكي عُهودَنا
وَيَشهَدُ أَنَّ الحُسنَ فيها قَدِ ازدانا
تَحِنُّ إِلى زَيْتُونِها كُلُّ مُهْجَةٍ
وَتَنْحَني الهَاماتُ لِلْجِذْعِ شُكْرانا
ذَكَرتُ لَيالِينا بِها وَقَدِ انْبَرَى
جَناحُ الهَوى يَطْوي البِحارَ وَخَلْجانا
أَزمانَ نَهوى، وَالخَلائِقُ غُفَّلٌ
وَنَسحَبُ ذَيلَ التِيهِ فَخراً وَسُلطانا
نَمِيلُ مَعَ الأَغْصانِ شَوْقاً لِأَهْلِها
وَنَبْكِي بِها العَهْدَ الَّذِي كَانَ أَفْنَانَا
يَمُرُّ نَسيمُ الفَجْرِ يَحْمِلُ سِرَّنا
إِلى غُرَفٍ كَانَتْ لِ "سارةَ" مَسْكانا
تَلَفَّتُّ نَحْوَ "الشَرْقِ" يَوْماً لَعَلَّني
أَرى مِنْ سَنا أَبْرَاجِها نُورَ دُنْيانا
إِذا هَبَِّت الأَشْواقُ طارَتْ نُفُوسُنا
تَحُومُ كَأَسْرابِ القَطَا فَوْقَ مَرسانا
فَلا نَجْدَ لِي إِلّا مَقامُكِ فِي الحَشا
وَلا رَيَّ لِي إِلّا لِقاءٌ رَوَّانَا
سَقَى اللَهُ رِيضَانَ الجَمَالِ بِ "سَلقينٍ"
وَجادَ عَلَيْها الغَيْثُ نَوْءاً وَسَحّانا
هَلْ يَرْجِعَنَّ الدَّهْرُ يَوْمًا بِ "سَلْقِينٍ"؟
وَنَشْرَبُ صَفْوَ العَيْشِ رَغْدًا وَأَزْمَانَا
بُورِكْتِ "سَلقينُ" الجَمالِ وَبُورِكَتْ
خُطىً قَدْ مَشَتْ فَوْقَ الرُبى حُسْنَ لُقِيانا
فَيا لَيْتَ لِي بَيْنَ البَساتِينِ رَجْعَةً
لِأُهدي لِأَحجارِ الطَرِيْقِ حَنَايَانَا
هِيَ الخُلْدُ فِي عَيْنِي وَإِنْ بَعُدَ المَدَى
سَأَبْقى لَها طُولَ الزَمانِ لَهْفانا
أَنا المَوتُ لِلشُعراءِ إِن صُلتُ صَولَةً
أَدُكُّ قِلاعَ الفَخرِ صَخراً وَصِوانا
إِذا ما نَطَقْتُ الشِعْرَ خَرَّتْ جَحافلٌ
تُقَبِّلُ تُرْبَ النَعْلِ ذُلّاً وَإِذْعانا
تَمَنَّى جَريرٌ أَن يُباري حُدائِيَ
فَغارَ بِقاعِ الذُلِّ يَرجو الغُفرانا
أَيَا عَبْدَ أَوْهامٍ وَيَا كَلْبَ دِمْنَةٍ
كَفَاكَ نُباحاً فَقَدْ جِئْتُكَ سُلطانا
قَوافِيَّ مِثْلُ الصاعِقاتِ إِذا هَوَتْ
تُحِيلُ عُروشَ القَوْمِ قَاعاً وَكُثبانا
بَنَيْتُ مِنَ الأَمْجَادِ مَا لَيْسَ يُنْحَتُ
وَدُستُ رُؤوسَ القَومِ عَزماً وَميدانا
أَبيُّ الضَيْمِ، لِي فِي الخُلْدِ رِفْعَةٌ
وَتَسجُدُ تِيجانُ المُلوكِ لِمَرقانا
فَما هَمَّني نَباحُ كَلبٍ بِ "دَرْبِنا"
وَلا هَمَّني غَدْرٌ لِمَنْ كَانَ خَوّانا
أَنا ابْنُ "سَلقينَ" الَّتي شاعَ ذِكرُها
تَرومُ النُجومُ الزُهرُ لَثماً لِمَثوانا
شَرِبْنَا دَمَ الأَعْداءِ صِرْفاً بِمَجْدِنا
وَأَسْقَيْنا مَنْ ناوَأَ المُرَّ ذُؤفانا
إِذا جِئْتُ مَيْدانَ الفَخَارِ فَمَنْ لَكُم؟
وَأَنْتُمْ هَباءٌ حِينَ يَصْطَكُّ جَمْعانا
تَرَكْتُ جَرِيراً مِثْلَ ضَبٍّ بِقَفْرَةٍ
يَعَضُّ بَنَانَ الهَمِّ خِزْياً وَخُسْرانا
أَنَا الفَحْلُ لا فَحْلٌ سِوَايَ بِيَعْرُبٍ
وَإِنْ قُلْتُ قَوْلاً صَارَ لِلشِعْرِ مِيزانا
أَذَلَّ لِيَ الدَهْرُ العَتِيُّ مَناكِباً
وَصَيَّرْتُ صَعْبَ القَوْلِ لِلنَّاسِ بُرْهانا
مَديحِي لِ "سارةَ" كَالجِنانِ بَهَاؤُهُ
وَشَتْمِي لِأَعْدَائِي لَظًى وَصَيَالانا
أَلا لا يَجْهَلَنَّ القَوْمُ مِقْدارَ حَيْدَرٍ
فَقَدْ حَطَمَتْ كَفِّي عُهُوداً وَأَوْزانا
فَمَنْ كَانَ يَبْغِي المَجْدَ فَلْيَأْتِ بَيْتَنا
وَمَنْ كَانَ يَبْغِي المَوْتَ فَلْيَلْقَ فُرْسانا
سَأَترُكُ شِعري في الزَمانِ بَقِيَّةً
تَمْحُو لُغَاتِ الجِنِّ قَاصِي وَدَانانا
هِيَ الداليةُ العُظْمَى اسْتَقَرَّتْ بِنَبْضِنا
وَمَا عَادَ قَوْلٌ بَعْدَ قَوْلِيَ فِتْيانا
فَنَمْ يَا جَرِيرُ فِي تُرابِكَ خَاشِعاً
فَقَدْ نُسِخَتْ ذِكراكَ، وَارْتَفَعَ شانا
فَهَذِي قَوافِي المَجْدِ تَرْسُو بِصَدْرِنا
وَنَحْنُ الَّذِينَ اسْتَبْقَوُا العِزَّ رِهانا
رَأَيْتُ قَرِيضَ النَّاسِ زَيْفاً وَمَيْنُهُمْ
وَكَانَ قَرِيضِي فِي المَحافِلِ عِيانا
نَظَمْتُ لِ "سارةَ" الغَوالِي جَواهِراً
فَصَارَ نَثِيرُ القَوْلِ فِيهَا جُمانا
قَضَيْتُ لُبَانِي مِنْ نَسِيبٍ وَمَفْخَرٍ
وَأَوْدَعْتُ سِرَّ القَلْبِ فِيكِ دِنانا
إِذا بَلِيَتْ أَرْضٌ وَغِيضَ مَعِينُها
يَبِيْتُ قَصِيدِي لِلنُّفُوسِ أَمانا
تَدِينُ لَنَا الدُّنْيا بِطَاعَةِ شَاعِرٍ
وَلَمْ نَتَّخِذْ غَيْرَ الوَفَاءِ دِيانا
حَمَيْتُ حِمَى "سَلْقِينَ" بِالحَرْفِ بَعْدَما
صَنَعْتُ لَهَا مِنْ مَحْضِ رُوحِي كِنانا
فَلا تَنْسَ يَا دَهْرُ ارْتِحَالِي وَغُرْبَتِي
وَخَلِّ لِذِكْرِي فِي الخُطُوبِ مَكانا
سَقَى اللَّهُ أَيَّاماً مَضَتْ بِجِوَارِهِمْ
وَجَادَ عَلَى تِلْكَ الرُّبُوعِ حَيانا
أَنَا ابْنُ جِلاءٍ، وَالكَلامُ شَهَادَتِي
وَحَسْبِيَ أَنِّي قَدْ أَتَمْتُ بَيَانَا