تخطَّ إلى المحتوى

قفوا فأنا الموت الذي جاء ينعيه

الطويل

١٤٥ بيت

المتفرقات

قِفُوا.. فَأَنَا المَوْتُ الَّذِي جَاءَ يَنْعِيهِ

فُؤَاداً نَصِيلُ البَيْنِ بَاتَ يُفَرِّيهِ

رُوَيْدَكُمُ.. هَذَا المَقَامُ جِنَازَةٌ

لِعُمْرٍ مَضَى وَالوَجْدُ ضَاعَتْ مَرَامِيهِ

أَتَيْتُ وَفِي كَفِّي بَقَايَا كَرَامَةٍ

تُرَتِّلُ سِفْرَ الحُزْنِ وَالشَّوْقُ يَمْلِيهِ

سَأَفْتَحُ مِحْرَابَ الدُّمُوعِ لِعَالَمٍ

غَرِيقٍ بِأَوْهَامٍ، وَصَبْرِي يُعَمِّيهِ

فَلَا عِطْرَ فِي هَذِي القَوَافِي، وَإِنَّمَا

دُخَانُ حَرِيقٍ فِي الحَنَايَا أُوَارِيهِ

خُذُوا حَذَرَ العَيْنَيْنِ مِنْ سَيْلِ أَحْرُفِي

فَكُلُّ بَيَانٍ صَاغَهُ الدَّمْعُ يُؤْذِيهِ

نَزَعْتُ رِدَاءَ الشِّعْرِ حَتَّى بَدَا لَكُمْ

عُرَاءُ رُوحِي، وَالخَفَاءُ يُعَرِّيهِ

هِيَ اللَّحْظَةُ الأُولَى لِمَنْ شَاءَ مَنِيَّةً

فَمَنْ لَمْ يُجَرِّبْ لَوْعَةَ الفَقْدِ تُخْزِيهِ

سَأَسْرُدُ قَصَّاً لَمْ يَقُلْهُ فَتَى الْهَوَى

وَأَنْبِشُ سِرّاً كَانَ بِالصَّمْتِ يَطْوِيهِ

فَهَيَّا ادْخُلُوا بَابَ "النُّدُوبِ" بِذِلَّةٍ

فَقَدْ آنَ لِلْمَجْرُوحِ أَنْ يُبْدِيَ مَا فِيهِ

بَعَثْتُ رَسُولَ الدَّمْعِ وَالْجَفْنُ يُذْكِيهِ

وَنَارُ الْحَشَا في كُلِّ نَبْضٍ تُوَرِّيهِ

عَلَى رَسْمِ صَبٍّ لَا تَقَرُّ ضُلُوعُهُ

إِذَا ذُكِرَ النَّائِي تَهَاوَى تَرَاقِيهِ

أُنَاجِي سَوَادَ اللَّيْلِ وَالصَّدْرُ نُهْبَةٌ

لِخَيْلِ الرَّدَى إِذْ بَاتَ هَمِّي يُغَاشِيهِ

فَوَا لَهْفَ رُوحِي مِنْ شَتَاتٍ مُبَعْثَرٍ

بِأَرْضِ جَفَاءٍ وَالْمَوَاجِعُ تَطْوِيهِ

شَرِبْتُ كُؤُوسَ الْبُعْدِ صِرْفاً مُرِيرَةً

فَمَا ارْتَادَ ثَغْرِي مَشْرَبٌ كَانَ يُهْنِيهِ

وَلِي فِي مَهَبِّ الرِّيحِ نَزْعَةُ هَائِمٍ

يَرَى الطَّيْفَ مَوْتًا حِينَ لَا شَيْءَ يُدْنِيهِ

يَقُولُونَ صَبْرًا.. وَالصَّبَابَةُ مِقْصَلٌ

تُطِيحُ بِرَأْسِ الْعَقْلِ إِذْ حَانَ تَنْهيهِ

فَلَا عَيْنُ طَالَتْ مَنْ تُرِيدُ وِصَالَهُ

وَلَا مَوْتُ يُرْخِي سِتْرَهُ فَيُوَارِيهِ

كَأَنَّ فُؤَادِي شِمْرَاخٌ بِقِمَّةٍ

تَقَاذَفَهُ الْإِعْصَارُ وَالصَّخْرُ يُدْمِيهِ

رَمَتْنِي لِحَاظُ الْبَيْنِ سَهْماً مُسَمَّماً

فَصَارَ نَزِيفِي الصِّرْفُ فِي كَأْسِ سَاقِيهِ

وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ بَيْنِكَ مَا الضَّنَى

وَلَا كَيْفَ يَفْنَى الْمَرْءُ وَالرُّوحُ تَحْمِيهِ

رَحَلْتَ.. فَأَمْسَى الْكَوْنُ قَبْرًا لِمُهْجَتِي

وَضَاقَ فَضَاءُ اللَّهِ عَمَّا أُقَاسِيهِ

أُقَلِّبُ طَرْفِي فِي السَّمَاءِ لَعَلَّنِي

أَرَى نَجْمَةً تَهْدِي غَرِيقاً لِمَرْفِيهِ

فَلَا النَّجْمُ يُدْرِي الْمُسْتَهَامَ مَسَارَهُ

وَلَا الْفَجْرُ يَأْتِي كَيْ تَبِينَ مَرَاسِيهِ

أَنُوحُ نِيَاحَ الثَّاكِلَاتِ عَلَى الصِّبَا

وَأَنْدُبُ حَظًّا غَابَ عَنِّي مُرَبِّيهِ

رَمَتْنِي مَقَادِيرُ الْفِرَاقِ بِجَمْرَةٍ

لَهَا فِي صَمِيمِ الْقَلْبِ مَا لَا أُسَمِّيهِ

وَلَوْ نَطَقَتْ نَارُ الْخَلِيلِ تَأَلُّماً

لِمَا بِيَ مِنْ كَرْبٍ تَلَظَّتْ حَوَاشِيهِ

فَوَا سَقَمِي، هَلْ لِلْعَلِيلِ مَطَامِعٌ

بِغَيْرِ فَنَاءٍ لِلْعَذَابِ يُدَاوِيهِ؟

بَكَيْتُ حَتَّى جَفَّ دَمْعِي وَلَمْ أَزَلْ

أَصِيحُ بِصَوْتٍ لَا تُرَدُّ مَنَادِيهِ

عَلَى نَازِحٍ شَطَّتْ بِهِ غُرْبَةُ النَّوَى

وَأَصْبَحَ عُمْرِي فِي الْتِيَاعِي قَرَابِيهِ

إِذَا هَبَّتِ الْأَرْوَاحُ نَحْوِي مِنَ الْحِمَى

شَمَمْتُ رَدَى لَا نَشْرَ وَرْدٍ أُحَيِّيهِ

وَمَنْ عَجَبٍ أَنِّي أَمُوتُ بِلَذْعَةٍ

وَعِنْدِي مِنَ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ تَرَاقِيهِ

فَلَا تَحْسَبُوا أَنَّ النَّحِيبَ غَوِيَّةٌ

بَلِ الصَّدْرُ يَنْفِي كُلَّ صَبْرٍ يُخَفِّيهِ

وَلِي لَوْعَةٌ لَوْ أُنْزِلَتْ فَوْقَ هَامَةٍ

مِنَ الشُّمِّ لَانْهَارَتْ وَدُكَّتْ رَوَاسِيهِ

عَرَفْتُ بِلادَ الْحُزْنِ حَتَّى كَأَنَّنِي

أَنَا الْمَلِكُ الْمَنْفِيُّ فِيهَا بِمَافِيهِ

فَيَا صَاحِبِي، رِفْقاً بِنَفْسٍ تَمَزَّقَتْ

فَكُلُّ سَبِيلٍ لِلْخَلَاصِ تُعَمِّيهِ

تَرَاكَ تُعِيدُ الْوَصْلَ يَوْمًا لِهَائِمٍ

أَمِ الْبَيْنُ حَتْمٌ لَا مَفَرَّ لِنَاجِيهِ؟

تَرَكْتُ جَمِيعَ الْخَلْقِ خَلْفِي وَجِئْتُهُ

طَرِيداً بِبَابِ الْهَمِّ وَالْهَمُّ يَقْنِيهِ

فَإِنْ مِتُّ مِنْ وَجْدِي فَهَذَا ضَرِيحُهُ

وَإِنْ عِشْتُ فَالسَّيَّافُ لِلْعُمْرِ يُرْدِيهِ

أَلَا يَا عُيُونَ السُّحْبِ هِلِّي وَأَسْعِفِي

غَرِيباً سَقَاهُ الشَّوْقُ مُرَّ مَنَافِيهِ

خَتَمْتُ مَقَالِي وَالْأَنِينُ خِتَامُهُ

فَمَنْ لِقَتِيلٍ لَا يُبَلُّ صَدَادِيهِ؟

أَمُدُّ يَدِي لِلْغَيْبِ وَالْغَيْبُ مُوصَدٌ

وَأَسْأَلُ عَنْ نَفْسِي وَمَا بِيَ يُنْفِيهِ

رَمَادٌ أَنَا فَوْقَ الرَّصِيفِ نَثَرْتُهُ

فَجَاءَ عَجُوزُ الرِّيحِ بِالْقَهْرِ يَذْرِيهِ

كَأَنِّي نَبِيٌّ ضَلَّ عَنْهُ يَقِينُهُ

فَمَا عَادَ يَدْرِي أَيُّ وَحْيٍ يُلَبِّيهِ

أُنَادِي بَقَايَا الظِّلِّ فِيكَ لَعَلَّهُ

يُعِيدُ لِيَ الْوَجْهَ الَّذِي كُنْتُ أَبْنِيهِ

وَلَكِنَّمَا الصَّحْرَاءُ حَوْلِي عَقِيمَةٌ

فَلَا صَوْتَ إِلَّا نَبْشُ بِيْنٍ أُدَارِيهِ

لَقَدْ جَاعَ هَذَا الْحُزْنُ حَتَّى أَكَلْتُهُ

فَأَصْبَحَ لَحْمِي مُرَّ طَعْمٍ لِغَاذِيهِ

إِذَا مَا رَأَيْتُ الصُّبْحَ قُلْتُ جِنَازَةٌ

تُسَاقُ لِعُمْرٍ ضَاعَ أَسْمَى أَمَانِيهِ

فَمَا الفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْبُعْدِ هَاهُنَا؟

سِوَى أَنَّ هَذَا الدَّفْنَ بِالرُّوحِ نُورِيهِ

فَأَنْتَ كَجُرْمٍ غَابَ خَلْفَ مَدَارِهِ

وَأَنَا فَرَاغٌ مَا لِشَيْءٍ يُمَلِّيهِ.

أُكَذِّبُ عَيْنِي حِينَ تَبْكِي بَرَاءَةً

وَأَزْجُرُ قَلْبِي حِينَ يَهْفُو لِشَانِيهِ

أَنَا الرَّجُلُ الْمَصْلُوبُ دُونَ خَطِيئَةٍ

سِوَى أَنَّ صِدْقَ الْحُبِّ لِلْمَوْتِ يُهْدِيهِ

إِذَا ارْتَعَشَتْ رُوحِي تَمَزَّقَ مِعْطَفِي

وَبَانَ عُرَاءُ الصَّدْرِ وَالْجُرْحُ يَشْوِيهِ

فَلا مَسْحَةُ الْأَيَّامِ تَمْحُو كَآبَتِي

وَلَا بَلَسَمُ النِّسْيَانِ لِلْقَلْبِ يَشْفِيهِ

قَضَيْتُ لَيَالِي الْوَجْدِ أَنْحِتُ صَخْرَةً

لِأَجْعَلَهَا صَدْرًا حَنُوناً أُدَانِيهِ

فَمَا لَانَ هَذَا الصَّخْرُ يَوْماً لِذِلَّتِي

وَمَا بَلَّ رِيقِي مَنْهَلٌ كُنْتُ أَرْجِيهِ.

أَرَى الدَّهْرَ ذِئْباً جَائِعاً يَقْتَفِي الْخُطَى

وَيَنْهَشُ مِنْ عُمْرِي الَّذِي كُنْتُ أُعْطِيهِ

فَيَا لُوعَةً فِي جَوْفِ بِئْرٍ سَحِيقَةٍ

تُرَدِّدُ صَوْتِي وَالصَّدَى لَيْسَ يَعْنِيهِ

وَيَا مِحْنَةَ الْأَوْرَاقِ حِينَ تَسَاقَطَتْ

فَأَيْنَ رَبِيعُ الْوَصْلِ؟ مَنْ ذَا سَيُحْيِيهِ؟

غَرِيبٌ.. وَهَذَا الْحَرْفُ سِجْنِي وَغُرْبَتِي

وَبَعْضُ دَمِي فَوْقَ الطُّرُوسِ أُسَمِّيهِ

فَلَوْ يَعْلَمُ الْعُشَّاقُ مَا ذُقْتُ مِنْ لَظَىً

لَمَاتُوا قُبَيْلَ الْفَجْرِ فِي حُضْنِ وَادِيهِ

أُصَارِعُ أَمْوَاجَ الذُّهُولِ وَحِيداً

مَرَاكِبُ صَبْرِي حَطَّمَتْهَا مَنَافِيهِ

يَمُرُّ بِيَ الشَّيْطَانُ يَرْثِي لِحَالَتِي

وَيَعْجَبُ مِنْ صَبْرٍ عَجِيبٍ أُقَاسِيهِ

فَأَنْتَ الْبَعِيدُ الْمُسْتَبِدُّ بِعُرْوَتِي

وَأَنْتَ الْقَرِيبُ الذَّابِحُ لِمُصَلِّيهِ

عَجِبْتُ لِقَلْبٍ كَيْفَ يَنْبِضُ رَغْمَهُ

وَكُلُّ سِهَامِ الْبَيْنِ فِي الصَّدْرِ تُثْوِيهِ

كَأَنَّ عُرُوقِي أَوْتَارُ عُودٍ تَقَطَّعَتْ

وَعَازِفُ هَذَا الْحُزْنِ بِالْمَوْتِ يَشْدِيهِ

أَنَا الْمُتَنَاهِي فِي انْكِسَارِي وَذِلَّتِي

أَنَا الْمُصْطَلِي بِالْوَجْدِ فِي كُلِّ مَا فِيهِ

تَرَكْتُ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا ضَمَّ جَوْفُهَا

فَخُذْ جَسَدِي الْمُلْقَى وَمَا عَادَ يَبْغِيهِ

وَلَا تَسْأَلِ الْأَطْلَالَ عَنْ سِرِّ هَالِكٍ

فَسِرُّ الْفَتَى بَيْنَ التَّرَائِبِ يَطْوِيهِ

سَأَمْضِي وَلَا عَيْنٌ تَرَانِي وَلَا أَثَرُ

سِوَى نَفَسٍ يَمْضِي وَلَا شَيْءَ يُثْنِيهِ.

وَأَكْتُبُ فَوْقَ الرَّمْلِ: "إِنِّيَ مَيِّتٌ"

قَضَى وَحَرِيقُ الشَّوْقِ لِلْآنَ يَكْوِيهِ.

أَلَا فَاشْهَدِي يَا رِيحُ أَنِّي ضَحِيَّةٌ

لِغَمْدٍ صَقِيلٍ كَانَ بِالْغَدْرِ يُخْفِيهِ

أَنَا بَرْزَخُ الأَوْجَاعِ.. مَنْ ذَا يَجُوزُهُ؟

وَبَحْرٌ مِنَ الْكِبْرِيتِ تَغْلِي صَوَالِيهِ

أُحَمِّلُ نَفْسِي مَا لَا تُطِيقُ جِبَالُهُمْ

وَأَحْمِلُ عُمْراً هَدَّ كِلْتَا نَوَاحِيهِ

يَقُولُونَ: "هَذَا سَاحِرٌ صَاغَ حُزْنَهُ"

وَمَا عَلِمُوا أَنَّ النَّزِيفَ مَعَانِيهِ

أُنَاجِي إِلَهَ الْعَرْشِ مِنْ قَعْرِ غُرْبَتِي

بَقَلْبٍ ذَبِيحٍ لَا تُعَدُّ مَآسِيهِ

إِلَهِي.. وَمَا لِي غَيْرُ عَفْوِكَ مَلْجَأٌ

إِذَا ضَاقَ بِي عَبْدٌ بِذَنْبِي أُجَازِيهِ

فَإِنْ كَانَ حُبِّي لِلْجَمَالِ خَطِيئَةً

فَمَا عُذْرُ قَلْبٍ صَاغَهُ مَنْ يُسَوِّيهِ؟

أَرَى كُلَّ حُسْنٍ فِي الْوُجُودِ مَجَازُهُ

إِلَيْكَ.. وَشَوْقِي فِي جَلَالِكَ أُفْنِيهِ

فَيَا لَهَفِي كَمْ ذَا أُطَارِدُ صُورَةً

بَرَاهَا خَيَالٌ ثُمَّ غَابَتْ مَوَارِيهِ

قَضَيْتُ عُصُوراً فِي انْتِظَارِ حَقِيقَةٍ

وَمَا جِئْتُ إِلَّا لِلسَّرَابِ أُمَاشِيهِ

جَعَلْتُ ضُلُوعِي لِلْعَرَاءِ مَلَابِساً

وَأَطْعَمْتُ رُوحِي لِلْغِيَابِ لِيُرْضِيهِ

أَفَتَّشُ فِي ذَاتِي عَنِ الذَّاتِ.. حَائِراً

جَهَالَةُ عَقْلٍ بَاتَ بِالْوَهْمِ يُغْوِيهِ

إِذَا صِحْتُ "يَا رَبَّاهُ" زُلْزِلَ مَرْقَدِي

وَخَرَّ جِدَارُ الصَّمْتِ وَانْهَدَّ بَانِيهِ

أَنَا نُقْطَةٌ سَالَتْ بِدَفْتَرِ هَالِكٍ

تَلَاشَتْ خُطُوطُ الدَّهْرِ وَالْبَيْنُ يُفْنِيهِ

فَلا شَمْسَ تُغْرِيهِ بِيَوْمٍ سَيَنْقَضِي

وَلَا بَدْرَ فِي عَتْمِ الْمَقَابِرِ يُغْنِيهِ

أَيَا مَنْ كَسَا بِالرُّوحِ طِيناً مُعَذَّباً

مَتَى تَسْلِبُ الطِّينَ الَّذِي بَاتَ يُبْلِيهِ؟

فَمَا بَعْدَ هَذَا الْبُعْدِ بَعْدٌ أَرُومُهُ

وَمَا بَعْدَ هَذَا الْمَوْتِ مَوْتٌ أُلاقِيهِ

حَبَسْتُ أَنِينِي حَتَّى صَارَ مِرْجَلاً

إِذَا زَفَرَتْ رُوحِي تَهَاوَتْ رَوَابِيهِ

وَلَوْ شَقَّ صَدْرِي سَائِلٌ عَنْ مَوَاجِعِي

لَذَابَتْ يَدَاهُ مِنْ سَعِيرٍ سَيَصْلِيهِ

أَرَى ابْنَ الْفَارِضِ لَوْ رَأَى حَالَ شِقْوَتِي

لَأَلْقَى عِصَاهُ وَاسْتَجَارَ بِمَا فِيهِ.

فَمَا وَجْدُهُ إِلَّا كَنَفْحةِ بَارِدٍ

لَدَى سَقَرٍ صَدْرِي لَظَاهَا يُذْكِيهِ

عَجِبْتُ لِخَلْقٍ يَعْشَقُونَ وَعَيْشُهُمْ

رَخَاءٌ.. وَحُبِّي فِي لَظَى الْوَجْدِ أَبْنِيهِ

يَمُرُّونَ بِالْأَطْلَالِ يَبْكُونَ لَحْظَةً

وَأَنَا بِالرَّدَى أَبْنِي مَقَامِي وَأُرْسِيهِ

فَوَا ذِلَّتِي حَتَّى الْبُكَاءُ مَلَّنِي

وَحَتَّى الْعَمَى لَا يَرْتَضِي عَيْنَ مُبْكِيهِ

كَأَنَّ دَمِي حِبْرٌ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ

تَخُطُّ عَلَى جِلْدِي عَذَاباً تُثَنِّيهِ

مَسَحْتُ بِكَفِّي وَجْهَ صَبْرِي فَلَمْ أَجِدْ

سِوَى شَحَبٍ حَتَّى الْمَرَايَا تُجَافِيهِ

أَلَا أَيُّهَا الْمَوْتُ الْمُؤَخَّرُ.. خُذْ يَدِي

فَلَا عُمْرَ لِي يَبْقَى لِكَيْ مَا أُزَكِّيهِ.

تَقَطَّعَتِ الْأَسْبَابُ إِلَّا مَوَاجِعِي

فَهِيَّ الْعُرَى الْوُثْقَى لِصَبٍّ تُدَنِّيهِ

وَلَمْ يَبْقَ مِنِّي غَيْرُ صَوْتٍ مُهَشَّمٍ

يُرَتِّلُ ذِكْرَ الشَّوْقِ وَالشَّوْقُ يَفْنِيهِ

سَأَغْرَقُ فِي ذَاتِي لِأَلْقَاكَ سَيِّدِي

فَنَفْسِي حِجَابٌ، وَالْفَنَا سَوْفَ يَجْلِيهِ

رَحِمْتُ أَعَادِيَّ الَّذِينَ رَأَوْا ذِلِّي

فَقَالُوا: "كَفَى، هَذَا الْبَلَاءُ سَيَكْفِيهِ"

وَهَذَا خِتَامُ الْقَوْلِ بَعْدَ قِيَامَتِي

فَهَلْ ظَلَّ رَمْشٌ لَمْ تُبَلَّ مَآقِيهِ؟

أَنَا آخِرُ الْأَصْوَاتِ قَبْلَ انْدِثَارِهَا

وَأَوَّلُ حُزْنٍ كَانَ يَطْوِي مَبَادِيهِ

شَطَبْتُ وُجُودِي مِنْ سِجِلِّ الْبَرَايَا

وَصَيَّرْتُ مَوْتِي مَوْطِناً أَنْتَمِي فِيهِ

فَلَا لُغَةٌ تَكْفِي لِأَرْسُمَ حُرْقَتِي

وَلَا نَحْتُ صَخْرٍ لِلْأَسَى قَدْ يُؤَدِّيهِ

أَرَى الْكُونَ ثَقْباً أَسْوَدَ الْقَلْبِ مُظْلِماً

يَمُصُّ ضِيَاءَ الرُّوحِ حَتَّى يُفَنِّيهِ

كَأَنَّ حُرُوفِي جُثَّتِي فَوْقَ طِرْسِكُمْ

وَمَنْ جَاءَ يَبْكِي.. فَالْمَدَامِعُ تَكْفِيهِ

وَمَنْ جَاءَ يَتْلُو.. فَلْيُبَسْمِلْ بِرُوحِهِ

لَعَلَّ بِذِكْرِ اللهِ رُوحِي تُحَيِّيهِ

لَقَدْ جَفَّ رِيقُ الْأَرْضِ مِنْ نَدْبِ قِصَّتِي

وَأَعْوَلَ حَتَّى الصَّخْرُ مِمَّا أُوَارِيهِ

أَمُوتُ بِلَا نَزْعٍ.. لِأَنِّيَ مَيِّتٌ

قُبَيْلَ مَجِيءِ الْمَوْتِ، وَالْبُعْدُ يُدْمِيهِ

فَيَا أَيُّهَا النَّاعِي.. نَعَيْتَ نَسِيمَنَا

فَهَلْ لَكَ قَلْبٌ مِثْلُ قَلْبِي تُعَزِّيهِ؟

حَرَقْتُ بَخُورَ الْعُمْرِ فِي مَعْبَدِ النَّوَى

فَطَارَ دُخَاني وَالسَّرَابُ يُجَارِيهِ

أَنَا نُسْخَةُ الْآلَامِ فِي كُلِّ عَالَمٍ

وَكُلُّ عَذَابٍ فِي الْقَدِيمِ أُعَانِيهِ

إِذَا نَظَرَتْ عَيْنِي لِعَيْنِ مَرَايَتِي

بَكَتْ مِنْ ذُهُولٍ لَا تَبِيضُّ لَيَالِيهِ

فَمَنْ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَرَى الْحُزْنَ مُجْسَداً

فَلْيَنْظُرْ لِوَجْهِي حِينَ تَعْلُو غَوَاشِيهِ

أَنَا الطَّلَلُ الْمَهْجُورُ حَتَّى مِنَ الرَّدَى

أَنَا الْقَبْرُ لَكِنْ لَا رُفَاتٌ يَحْوِيهِ

تَعِبْتُ مِنَ التَّحْلِيقِ فِي جَوِّ لَوْعَتِي

وَجِنْحِي كَسِيرٌ، مَنْ سَيَجْبُرُ مَاضِيهِ؟

أُعِيذُكَ يَا حُزْنِي مِنَ الصَّبْرِ، إِنَّهُ

خِدَاعُ نُفُوسٍ مَا لِشَيْءٍ يُجَدِّيهِ

فَدَعْنِي أَغِصْ فِي قَاعِ يَأْسِيَ غَارِقاً

فَمَا عَادَ يُغْرِي الشَّطُّ مَنْ غَابَ رَاعِيهِ

سَأَجْعَلُ مِنْ نَبْضِي نَعِيّاً لِفَرْحَتِي

وَمِنْ كَفَنِي دِرْعاً لِشَوْقٍ أُدَارِيهِ

فَلا ابْنُ زُرَيْقٍ قَدْ رَأَى رُبْعَ لَوْعَتِي

وَلَا مَجْنُونُ لَيْلَى نَالَ مَا كُنْتُ أُصْلِيهِ.

هُمُ شَرِبُوا الْأَشْوَاقَ فِيمَا رَوَوْا لَنَا

وَأَنَا شَرِبْتُ الْمَوْتَ حَتَّى تَرَاقِيهِ

عَجِبْتُ لِقَلْبِي كَيْفَ لَمْ يَنْفَطِرْ أَسَىً

وَفِيهِ جَحِيمٌ لَا تُطَفَّى مَصَالِيهِ

أَنَا الْمَلِكُ الْمَهْزُومُ فِي حَرْبِ نَفْسِهِ

وَسَيْفِي فَلِيلٌ، وَالزَّمَانُ يُعَادِيهِ

تَسَاقَطَتِ الْأَقْمَارُ خَوْفاً لِصَيْحَتِي

وَغَاضَتْ بِحَارُ الْأَرْضِ مِمَّا أُقَاسِيهِ

إِلَى أَيْنَ أَمْضِي وَالْخَرَابُ هُوِيَّتِي؟

وَكُلُّ طَرِيقٍ بِالْمَوَاجِعِ تُغْوِيهِ

خُذُوا كُلَّ شَيْءٍ.. وَاتْرُكُونِي لِوَحْدَتِي

فَقَدْ آنَ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَرْتَمِي فِيهِ.

فَيَا نَفْسُ ذُوبِي، وَيَا رُوحُ أَقْلِعِي ..

عَنِ الْجَسَدِ الْمُضْنَى تَعَالَتْ مَرَاقِيهِ

سَأُصْبِحُ ذِكْرَى تُرْعِبُ الْعِشْقَ بَعْدَمَا

تَسِيلُ دُمُوعُ الشِّعْرِ فِيمَا أُقَفِّيهِ

أُقَبِّلُ تُرْبَ الْيَأْسِ حُبّاً لِعَدْلِهِ

فَمَا لِلْهَوَى عَهْدٌ لِصَبٍّ يُنَاجِيهِ

هِيَ اللَّحْظَةُ الْقُصْوَى، رَحِيلِي مُؤَكَّدٌ

وَعِطْرُ وِدَاعِي سُمُّ مَنْ كُنْتُ أَفْدِيهِ

فَلَا تَبْكِ يَا طَيْرَ الْجَنُوبِ لِفُرْقَتِي

فَصَوْتُكَ جُرْحٌ لَيْسَ نَزْفِي سَيَنْسِيهِ

رَحَلْتُ.. وَهَذَا النَّصُّ آخِرُ لَعْنَتِي

عَلَى عَالَمٍ بِالْغَدْرِ ضَاعَتْ مَعَالِيهِ

فَيَا صَمْتُ كَفِّنِّي، وَيَا قَبْرُ ضُمَّنِي

فَهَذَا عَبِيرُ الْمَوْتِ، لَا شَيْءَ يُبْدِيهِ

كَفَى يَا قَرِيضَ الشَّوْقِ، جَفَّتْ مَسَاقِيهِ

وَمَا عَادَ فِي الصَّدْرِ الَّذِي كُنْتُ أُغْنِيهِ

عَصَرْتُ لَكَ الرُّوحَ الطَّرِيدَةَ فَيْصَلاً

فَهَلْ ظَلَّ شَيْءٌ فِي الْحَنَايَا أُسَمِّيهِ؟

أَنَا الآنَ صَمْتٌ مُطْبَقٌ فَوْقَ رَغْبَتِي

وَبَحْرٌ سُكُونُ الْمَوْتِ يَطْوِي شَوَاطِيهِ

فَلَا تَنْدُبُونِي بَعْدَ مَوْتِي بِأَحْرُفٍ

فَحَسْبِيَ هَذَا النَّصُّ، حَسْبِي مَرَاقِيهِ

جَعَلْتُ ابْنَ الْفَارِضِ يَسْتَفِيقُ بِقَبْرِهِ

لِيَعْلَمَ أَنَّ الْبَيْنَ زَادَتْ مَآسِيهِ

رَحَلْنَا وَمَا لِلرَّاحِلِينَ لَوَافِتٌ

سِوَى غُصَّةٍ فِي الْقَلْبِ، وَالْبَيْنُ يُذْكِيهِ

فَيَا صَاحِبِي.. هَذَا خِتَامُ مَوَاجِعِي

نَحَرْتُ جَمِيلَ الشِّعْرِ كَيْ لَا أُدَارِيهِ

فَمَا بَعْدَ هَذَا الْبُعْدِ سَقْفٌ لِعَاشِقٍ

وَمَا بَعْدَ هَذَا الْآهِ نَزْفٌ نُجَارِيهِ

سَأُغْلِقُ بَابَ الْوَجْدِ، وَالرِّيحُ خَلْفَهُ

تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِّ ضَاعَتْ مَنَافِيهِ

وَدَاعاً لِكُلِّ الْعَالَمِينَ.. فَمُهْجَتِي

بِمِقْصَلَةِ الْأَقْدَارِ.. بَانَتْ مَرَاسِيهِ