تخطَّ إلى المحتوى

لسارة في صمت المواضي بشائر

الطويل

٧٧ بيت

المتفرقات

لِسارَةَ في صَمْتِ المَواضِي بَشائِرُ

تَلُوحُ كَشَمْسٍ طالَعَتْها الضَّمائِرُ

وَقَفْتُ بِها والوَجْدُ يُلْجِمُ ناظِري

كَأَنِّيَ غُصْنٌ في الفَلاةِ مُحاصَرُ

خَميسٌ لَدَى عَشْرٍ مَضَتْ مُنْذُ بَيْنِها

وَلا زالَ رَيَّا عِطْرِها بِيَ ثائِرُ

رَحِيقٌ يُذِيبُ الرُّوحَ لَمْ أَنْسَ نَشْرَهُ

وَلَوْ حالَ دُوني عَالَمٌ وَمَقابِرُ

كَأَنَّ ضِياءَ الوَجْهِ إِذْ بانَ ضَحْوَةً

مَنارٌ لِغَرْقَى، أَخْطَأَتْهُ المَعابِرُ

وَلِي شادِنٌ لو أَبصَرَ البَدرُ وَجهَهُ

لَغارَتْ نُجُومٌ في السَّما وَدَوائِرُ

تَبَسَّمُ عَنْ نُورٍ يُشِقُّ دُجَى المَدى

كَأَنَّ لآلِي الكَوْنِ فيها بَواصِرُ

إِذا نَطَقَتْ سالَ البَيانُ سُلافَةً

تَضوعُ بِها بَعدَ الجَفافِ الحَناجِرُ

مَهىً لم تَطأْ مِثلَ النَّقاءِ أَدِيمُها

عَلَيها مِنَ الطُّهرِ العَفِيفِ سَتائِرُ

كَأَنَّ ثَناياها إِذا ما تَبَلَّجَتْ

بُرُوقٌ سَقَتْها في الغَمامِ الزَّواخِرُ

لَها نَظْرَةٌ تَغزو الفُؤادَ بِلَحْظِها

فَأُمْسِي لَها فِي الْمُكْرَماتِ صاغِرُ

سَمَتْ في مَدارِ الرُّوحِ حَتَّى كَأَنَّها

مَلاكٌ نَقِيٌّ.. بَلْ هِيَ النُّورُ آخِرُ

مَدِيحِي لِرُوحٍ ساوَرَتْها المَفَاخِرُ

تَنَزَّهَ عَنْ وَصْفِ الهِجانِ السَّرائِرُ

هِيَ الشَّمْسُ عِزّاً، والمَجَرَّةُ رِفْعَةً

تَقاصرَ عَنْ إِدْرَاكِها مَنْ يُقَامِرُ

رَزَانَةُ عَقْلٍ لَوْ تُقاسُ بِأُمَّةٍ

لآبَتْ بِفَضْلٍ، والْعُقُولُ حَوَائِرُ

إِذا سَفَرَ الحُسْنُ الْمُهابُ بِوَجْهِها

تَرَدَّى بِيَأْسٍ كُلُّ مَنْ هُوَ جَائِرُ

أَبِيَّةُ طَبْعٍ، لا يُرامُ حِمَى لَها

وَدُونَ جَنَاها تَنْحَنِي الْأَكاسِرُ

فَمَا كُلُّ غِيداءِ الثَّنايا "أَمِيرةٌ"

وَلا كُلُّ نُورٍ فِي السَّماءِ يُجَاهِرُ

لَها في مَقَامِ الْفَضْلِ ذِكْرٌ مُخَلَّدٌ

تَضِيقُ بِهِ ذَرْعاً صُدُورٌ مَوَاكِرُ

وَقَفْتُ بِمَنْفَى الذِّكْرِ، وَالرُّوحُ حَيْرَةٌ

كَأَنِّيَ بَيْنَ الْعَالَمِينَ مُجَاهِرُ

أُنادِي بَقَايا "سارَةٍ" في جَوارِحِي

فَتَرْتَدُّ لِي غُصَصٌ، وَتَبْكِي مَحَاجِرُ

خَمِيْسٌ بِلَا شَمْسٍ، وَعَشْرٌ كَأَنَّها

دُهُورٌ نَفَتْها عَنْ هُداها البَصَائِرُ

أُرَجِّي مَهَبَّ الرِّيحِ تَعْزِفُ عِطْرَها

فَمَا زالَ عِطْرُ الْغَائِبَاتِ يُحَاصِرُ

بَحَثْتُ عَنِ "الإِشْراقِ" في كُلِّ وِجْهَةٍ

فَأَلْفَيْتُ وَجْهِي في الْمَرايَا يُشَاجِرُ

تَلُوحُ بَقَايا الطِّيْبِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ

كَمَا لَاحَ فِي عُمْقِ السَّرابِ جَزَائِرُ

فَمَا لِلْمَدى قَفْرٌ؟ وَمَا لِيَ واجِمٌ؟

كَأَنَّ رَحِيْلِي فِي الْمَكَانِ مُخَامِرُ

وَإِنِّي لأَمْضِي الْهَمَّ عِنْدَ اعْتِصارِهِ

بِصَبْرٍ جَمِيلٍ.. فِي المَواجِعِ صابِرُ

صَبُورٍ كَأَلْواحِ الرَّواسِي نَصَأْتُهُ

عَلى دَهْرِ سُوءٍ.. وَالْمَنايَا حَواضِرُ

"خَمِيْسٌ لَدَى عَشْرٍ" أَمُونٌ رَحَلْتُها

تَخُبُّ بِرُوحِي.. وَالْفَضا مُتَشاجِرُ

تُبارِي سِنِيْنَ الْبُعْدِ نَضْواً، وَأَتْبَعَتْ

أَنِيناً أَنِيناً.. وَالْجِرَاحُ كَوافِرُ

لَها مِرْفَقانِ مِن ثَباتٍ، كَأَنَّما

تَمُرُّ بِدَهْرٍ.. وَالْجِيادُ خَواسِرُ

صُهابِيَّةُ الْأَحْزانِ، مُوجَدَةُ الْقَرا

بَعِيدَةُ خَطْوِ النَّفْسِ.. وَالْقَلْبُ ثائِرُ

تَرِيعُ إِلى صَوْتِ الْحَنِينِ وَتَتَّقي

بِرُوحِيَ رَوْعاتٍ.. وَلِلْمَوْتِ زَائِرُ

فَطَوْراً بِها خَلْفَ الرَّجاءِ، وَتارَةً

عَلى جَمْرِ يَأْسٍ.. وَالظُّنُونُ عَواثِرُ

وَعَيْنَانِ كَالْغَيْمَيْنِ شُكَّتْ مَسَاقُها

بِنَصْلِ انْتِظارٍ.. وَالْمَدَامِعُ هَوَامِرُ

طَحُورَانِ لِلنَّوْمِ الْهَنِيِّ، فَتَرَاهُما

بِدَجْنِ اللَّيَالِي.. لِلْخَيَالِ بَواصِرُ

وَصَادِقَةُ السَّمْعِ الِارْتِقَابِ لِطَيْفِها

إِذَا هَبَّ صَوْتٌ.. فَالْجَوانِحُ طَوَائِرُ

وَأَرْوَعُ نَبَّاضٌ بِأَوْجَاعِ لَهْفَتِي

فُؤَادٌ كَكِيْرِ النَّارِ.. وَالْوَجْدُ سَاعِرُ

خَمِيْسٌ بِلَا شَمْسٍ بَكَتْ فِيهِ صَحْوَتِي

وَعَشْرٌ عِجَافٌ.. وَالْمَآقِي جَواهِرُ

أَمُرُّ عَلَى الدُّنْيا وَرُوحِي غَرِيبَةٌ

كَأَنَّ بِصَدْرِي.. كُلَّ يَوْمٍ مَحاشِرُ

فَكَيْفَ أَرَاها؟ وَالْمَسَافَاتُ بَيْنَنَا

بِحَارُ ذُهُولٍ.. وَالْقُلُوبُ كَسَائِرُ

وَعَيْنانِ كَالْمَاوِيَّتَيْنِ انْطَفَا بِهِما

سَنَا الشَّوْقِ، حَتَّى هَدَّ جَفْنِيَ زاخِرُ

نَضُوحانِ لِلذِّكْرَى، فَتَبْكِي بَقِيَّتِي

وَمَا الدَّمْعُ إِلَّا لِلسِّنِيْنَ مَحاجِرُ

إِذَا ذُكِرَتْ "سارَةُ" انْبَرَتْ لِيَ غُصَّةٌ

تَضِيقُ بِهَا بَعْدَ الصُّدُورِ الْحَنَاجِرُ

خَمِيْسٌ بِلَا وَجْهٍ، وَعَشْرٌ كَأَنَّها

سِيَاطٌ لَهَا بَيْنَ الضُّلُوعِ مَساطِرُ

وَأَرْوَعُ نَبَّاضٌ بِحُزْنِي، كَأَنَّما

وَعَى كُلَّ أَوْجَاعِ الدُّنا.. وَهُوَ صاغِرُ

أَظَلُّ أُباري الرِّيحَ لَعَلَّ نَسِيْمَها

يَجِيءُ بِعِطْرٍ.. غَيَّبَتْهُ الْمَقادِرُ

فَيا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَرَاها بِنَظْرَةٍ؟

تُعِيْدُ لِيَ الرُّوحَ الَّتِي.. هِيَ شاعِرُ

هُوَ الوجدُ لا يُبقي ولا يَذَرُ النهى

وإِن حَمِدَت عِندَ المَصابِ المَصائِرُ

وقَد أَشرَبُ الأَحزانَ رَيّاً كَأَنَّها

سُلافٌ تَمَشَّت في دَمِي وَهيَ طاهِرُ

بَريئاً مِنَ السُلوانِ في كُلِّ مَوقِفٍ

كَما بَرِئَت مِن كُلِّ ذَنبٍ جَوائِرُ

أَلَا أَيُّهَا الدَّهْرُ الْمُلِحُّ بِنَكْبَتِي

هَلِ الْمَوْتُ إِلَّا أَنْ تَغِيْبَ السَّرائِرُ؟

أَرَى الْعَيْشَ كَنْزاً، غَيْرَ أَنَّ رَحِيلَهَا

هُوَ النَّقْصُ حَقاً.. لَا اللَّيَالِي الدَّوابِرُ

إِذَا كَانَ طَرْفَةُ قَدْ أَرَادَ لَذَاذَةً

فَإِنَّ لَذَاذِي.. أَنْ تَصُونَ الضَّمائِرُ

أَرَى الْمَوْتَ لا يَخْشَى قَوِيّاً بِبَطْشِهِ

وَلُكِنَّهُ.. بِالْفَقْدِ لِلرُّوحِ كاسِرُ

سَلامٌ عَلَى مَنْ غَيَّبَ الْبُعْدُ وَجْهَها

وَلُكِنَّها فِي الْقَلْبِ.. نُورٌ مُجَاوِرُ

سَتُبْدِي لِيَ الْأَيَّامُ مَا كُنْتُ آمِلاً

بِأَنَّ وَفَائِي.. لِلْخُلُودِ مَنابِرُ

وَيَأْتِيْكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

بِأَنَّ هَوَى "سارَةَ".. فِي الرُّوحِ آمِرُ

فَقُلْ لِلَّذِي يَرْجُو مِنَ الدَّهْرِ بَسْطَةً

تَأَنَّ.. فَإِنَّ الدَّهْرَ لِلْمَرْءِ غادِرُ

وَلا تَحْسَبَنَّ الْقُرْبَ قُرْبَ مَسافَةٍ

فَكَمْ مِنْ قَرِيْبٍ.. وَالْفُؤادُ مُهاجِرُ

إِذَا ضَاقَتِ الدُّنْيا بِرُوحِكَ، فَانْتَصِرْ

بِصَبْرٍ.. فَإِنَّ الصَّبْرَ لِلنَّصْرِ آخِرُ

وَصُنْ وُدَّ مَنْ تَهْوَى وَإِنْ طالَ بَيْنُكُمْ

فَمَا الشَّرْفُ إِلَّا.. أَنْ تُصانَ الذَّخائِرُ

وَعِشْ فِيْ رِحَابِ الْفَضْلِ تَلْقَ مَهابَةً

فَلَيْسَ يَدُومُ الْحُسْنُ.. وَالذِّكْرُ عاطِرُ

تَعَلَّمْ مِنَ الْأَيَّامِ أَنَّ مَصِيرَنا

إِلَى حُفْرَةٍ.. مِيْزانُها مَا نُجاهِرُ

فَلا الظُّلْمُ يَبْقَى، لا وَلا الْبُخْلُ نافِعٌ

فَقَطْ مَنْ وَفَى.. لِلْخالِدِينَ يُجاوِرُ

هِيَ الْحِكْمَةُ الْبَيْضاءُ صُغْتُ جُمانَها

فَهَلْ بَعْدَ هَذَا.. فِي الْمَلامَةِ عاذِرُ؟

يَقُولُونَ: "هَلْ تَسْقِي السَّرابَ لَواعِجاً؟"

وَهَلْ لِقَتِيْلِ الشَّوْقِ.. فِي النَّاسِ ثائِرُ؟

نَعَمْ.. لِيَ فِي هَذا الْغِيابِ عَقِيْدَةٌ

تُقَصِّرُ عَنْ إِدْرَاكِ لُبِّي.. الْبَصائِرُ

فَإِنْ كَانَ لَوْمِي فِي الْوَفاءِ سَفاهَةً

فَإِنِّي بِهذا السُّفْهِ فَخْرِي يُجَاهِرُ

أَبِيْتُ وَلِي فِي كُلِّ نَجْمٍ طَلِيْعَةٌ

تُسائِلُ عَنْ "سارَةَ".. وَاللَّيْلُ عاكِرُ

فَما أَنَا مِمَّنْ يَشْتَرِي الْوَصْلَ بِالْخَنى

وَلا أَنَا مِمَّنْ غَيَّرَتْهُ.. الْمَصائِرُ

سَأَبْقَى كَمَا شاءَ الْإِلَهُ لِيَ الْهَوَى

عَلى عَهْدِ "سارَةَ".. وَالْقَبِيْلَةُ تآدِرُ

مَضَى مَا مَضَى، وَالرُّوحُ فِيْكَ رَهِيْنَةٌ

لِمَاضٍ جَمِيْلٍ.. لَمْ تَشُبْهُ الْمَعاذِرُ

وَحاضِرُنا جِسْرٌ نَمُرُّ بِهَوْلِهِ

إِلَى غَدِنَا حَيْثُ الْقُلُوبُ بَصَائِرُ

فَإِنْ نَحْنُ عِشْنَا، فَالْوَفاءُ شِعَارُنا

وَإِنْ نَحْنُ مُتْنَا.. فَالْقَصِيْدُ مَنابِرُ

أَنَا "ابْنُ قُرنْفُلٍ" الَّذِي صِيْغَ صَبْرُهُ

بِنَارٍ.. لَهَا بَيْنَ الْقُلُوبِ زَوافِرُ

رَحَلْتُ وَمَا غادَرْتُ كَعْبَةَ حُبِّها

فَهَلْ بَعْدَ هَذا.. فِي الرِّجالِ مُسافِرُ؟