إني حفظتُ بِمُقلَتيَّ النيلا
وكتبتُ شِعرًا في هواهُ نبيلًا
"واصل مسيركَ"قد غَدَت مُذ قلتُها
للعاشقيِهِ رسالةً ورسولًا
وعشقتُ مصرَ، ترابَها، وديارَها
والبحرُ، داعبَ نورسًا ونخيلا
ورأيتُ شِعري هائمًا في حُسنِها
ليلًا، نهارًا، بُكرةً وأصيلًا
ستونَ عامًا لم أزل مفتونها
أبصرتُها بدرًا أطلَّ جميلًا
ونقشتُها فوقَ الضلوعِ وثيقةً
وتَخِذتُها دونَ الرفاقِ خليلًا
فرسمتُها هرمًا وطَودًا راسِخًا
ومآذنَ انْتَصبَت بِها وخميلا
ورأيتُها شابًّا تمنَّى رُوحَهُ
تفدي التي يهوى الفؤادُ قتيلًا
ورأيتُها رغمَ الصِّعاب أبيةً
تأبى سياطَ الظُّلمِ والتنكيلا
تأبى السقوط بقاع جُبٍّ، طالما
قد كان حبلُ سمائٓها موصولًا
مهما يَطُل ليلٌ ستُشرق بعدَهُ
شمسٌ، ويبتسم الضياءُ طويلًا
هي تستحقُّ دماءَنا، ولقد يُرَى
لو تُبذلُ الأرواحُ كانَ قليلًا
مُذ وحَّد القُطرَيْنِ "مِينَا" لم نزل
أهلَ الرِّباطِ الغُرَّ جيلًا جيلًا
أجنادُنا خيرُ الجنودِ، تسلَّحُوا
بالصَّبرِ، فارتدَّ العدوُّ ذليلًا
لا فرقَ في أرض الكنانة بيننا
فالكُلُّ البَسَهُ الوَفَا إكليلًا
يُعطي فيسخُو رغمَ ضَنكِ معيشة
لم يخشَ قَالاً في العطاء وقِيلا
هذا مسيحيٌّ يُعانقُ مسلمًا
قرآننا لم يُنكرِ الإنجيلا
وعلى ضفافِ النِّيلِ نكتبُ قصةً
للمجد تُغري البحثَ والتأويلا
مرَّت خُطوبٌ، بحرُها لم يُثنِنا
عن خَوضِهِ، والصُبرُ كان سبيلًا
يا مصرُ: حُبُّكِ في الحشا مُتجذِّرٌ
وهواكِ ما ألفيْتُ عنهُ بديلًا
أحببت فيكِ العلمَ، فَهُوَ منارةٌ
ضاءت، كما أحببتُ إسماعيلا
فهو الذي نَهلَ المعارفَ فارتوى
أشعارُهُ كانت عليهِ دليلًا
أخلاقه نَبَعَت من الأرضِ التي
دبَّت خُطاهُ بها فكانت نيلا
والشِّعر إن تسألْهُ قال: " بُرَيِّكٌ"
لِوَضاءَتي قد أشعلَ القنديلا
وروی جذوري من رُؤاهُ، لأنّهُ
كالغيثِ يهطُلُ للنَّماءِ هُطولا
اليومَ جئتُكَ بالقصيدةِ مُخلصًا
أُهديكَها مُستبشرًا وخجولًا
فاقبل حروفًا صُعْتُها بمحبة
حَمَّلتُها شُكرًا إليكَ جزيلًا
أنتَ الكريمُ ابنُ الكِرامِ وإنني
"مُرسِي" القصيدة ما عُرِفْتُ بخيلًا