أحاديثُ دهرٍ قد ألَمَّتْ فأوجعا
وحلَّ بنادي جمعنا فتصدّعا
لقد صال فينا البيْنُ أعظمَ صولةٍ
فلم يُخْلِ من وقع المصيبة موضعا
وجاءت خطوبُ الدهر تترى فكلما
مضى حادثٌ يتلوه آخرَ مسرعا
وحَلَّ بنا ما لم نكن في حسابه
من الدهر ما أبكى العيونَ وأفزعا
خطوبُ زمانٍ لو تمادى أقلُّها
بشامخِ رضْوَى أو ثبيرٍ تضعضعا
لقد كان روضُ العيش بالأمن يانعًا
فأضحى هشيماً ظلُّهُ متقشِّعا
أيحسن أن لا يبذلَ الشخصُ مهجةً
ويبكي دمًا إذ أفنتِ العينُ أدمعا؟
وقد سار بالأحباب في حين غفلةٍ
سريرُ المنايا عاجلاً متسرِّعا
وفي كلِّ يومٍ روعةٌ بعد روعةٍ
فلله ما قاسى الفُؤاد ورُوِّعا
عزاءً بني الدنيا بفقد أئمّةٍ
لكأسِ مرير الموت كلٌّ تجرَّعا
يمينًا لقد جلَّ المصاب بشيخنا الدْ
دُسوقي وعاد القلبُ بالهمِّ مُترعا
وشابتْ قلوبٌ - لا مفارقَ - عندما
تنكَّرتِ الأسماعُ صوتَ الذي نعى
فللناس عذرٌ في البكاء، وللأسى
عليه، وأمّا في السواء فتجزعا
وكيف وقد ماتت علومٌ بفقدِهِ
لقد كان فيها جهبذيّاً سَميْدعا
فمَنْ بعده يجلو دُجنَّة شبهةٍ
ويكشف عن ستر الدقائق مقنعا؟
وإنْ ذو اجتهادٍ قد تعثَّر فهمه
فيا ليت شعري من يقول له لعا
يقرِّرُ في فن البيان بمنطقٍ
بديعٍ معانيه يتوِّج مسمعا
وسار مسيرَ الشمس غَرّا علومُه
ففي كل أفقٍ أشرقت فيه مطلعا
وأبقى بتأليفاته بيننا هدًى
بها يسلك الطلابُ للحقِّ مَهْيعا
وحَلَّ بتحريراته كلَّ مشكلٍ
فلم يُبقِ للإشكال في ذاك مطمعا
فأيُّ كتابٍ لم يفكَّ ختامَه
إذا ما سواه من تعاميه ضَيَّعا؟
ومن يبتغِ تعدادَ حسنِ خصاله
فليس ملوماً إن أطال وأشبعا
فَلَلصدقُ عَوْنٌ للمقال فمن يقلْ
أصاب مكانُ القول فيه مُوَسِّعا
تواضعَ للطلاب فانتفَعوا به
على أنه بالحِلْمِ زاد ترفُّعا
وكان حليمًا واسعَ الصدر ماجدًا
نقيّاً، تقيّاً، زاهداً، متورِّعا
سعى في اكتساب الحمد طولَ حياته
ولم نرَه في غير ذلك قد سعى
ولم تُلْهِه الدنيا بزخرفِ صورةٍ
عن العلم كيما أن تغرَّ وتخدعا
لقد صرف الأوقاتَ في العلم والتقى
فما إن لها - يا صاحِ - أمسى مضيِّعا
فقدناه، لكنْ نفعُهُ - الدهرَ - دائم ٌ
وما ماتَ من أبقى علوماً لمن وَعَى
فجوزيَ بالحسنى، وتُوِّج بالرضا
وقُوبل بالإكرام مِمَّن له دعا