يا دارَ قومٍ إذا ما الليلُ أرخى سُدولَهُ
تسطعُ فيهم مَهابةُ حُرٍّ مُتبتِّلِ
للهِ شيخٌ، وإن أقعدتهُ نَوائبُهُ
قَوَّامُ روحيٍّ، كالسِّنا المُتَهَلِّلِ
أقسمتُ لا رُمْحٌ ولا سَيفٌ حَمَلْتَهُ
لكنَّهُ أنشأَ الفِتْيَانَ حتّى تُجَدْوَلِ
صاغَ “جيلَ فَتحٍ” بأعطافٍ مُقعَدَةٍ
كَمَلِكٍ يُشيرُ… فينقادُ الفتى المُقتَبِلِ
ما كانَ يُبسِلُهُ خَورٌ ولا ضَعَفٌ
فالروحُ تحتقِمُ احتقامَ المِزْنِ في المُعْتَزِلِ
يا عينُ، هل تُبصرينَ الجسدَ مُثْقَلَةً؟
لكنَّهُ جَبَلٌ من الصبرِ غيرُ مُزلزَلِ
كالبدرِ، ينهضُ في الظلماءِ مُرتَفِعاً
والقيدُ في رِجْلِهِ، والقلبُ في مُتَهَلِّلِ
إن قيلَ “أشْلَلَهُ المقدورُ” قُلتُ لهمُ:
ما شَلَّ إلّا دُوَينَ اللحمِ والعَضَلِ
أمّا الفُؤادُ فبحرٌ لا سواحلَ لهُ
والموجُ عاتٍ على الآجالِ والمُحتَمَلِ
ما العَجْزُ؟
إلّا سِوارٌ حولَ سابحةٍ
والنفسُ إن هَمَسَتْ… تُردي القُفرَ في السَّهَلِ
كم من فتى يملكُ الدنيا وأطرافَهُ
لكنّهُ أوهنُ من قَصْبٍ على المَنْهَلِ
وكمْ من القاعدينَ… تُعانِقُ هِمَمُهُم
رأسَ الجبالِ… وتَسْمو فوقَ كُلِّ مُطَلْعِ
أحمدُ—الراسخُ المعنى وإن قَعَدَتْ
خُطاهُ—أعظَمُ من مَشْيِ الفتى المُحْتَفِلِ
ما زالَ يَخطُرُ في الأرواحِ مُنتصِباً
كالمِسْكَ—يُعْرَفُ في أنسامِهِ الأوّلِ
يا قومُ!
إن تُطفِئوا جسدَ الحُرّ…
لن تطفئوا رايتَهُ، فالنورُ في مُشتَعَلِ
قد علّمَ الناسَ أنَّ العزمَ مَمْلَكَةٌ
تُقامُ في القلبِ… لا تُبنى على القَيْدِ والْمِرْجَلِ