تخطَّ إلى المحتوى

لمن دمنة أزمعت سقي ترابها

الطويل

٩١ بيت

الحماسة

لِمَنْ دِمْنَةٌ أزْمَعتَ سَقْيَ تُرابِها

بِعَبْراتٍ ارتاعَ الثَّرَى لانْسِكابِها

بِحَيِّ جَبَلْيا فالنُّصَيْراتِ ما بِها

صَدًى مُسْمَعٌ إلا نَعِيُّ غُرابِها

فَلَهْيا فَحانُونٍ فَحِيِّ قٌرارَةٍ

فَمُغراقَةٍ يَلْهُو الرَّدَى فِي رِحابِها

فَحَيِّ الرِّمالِ فالشُّجاعِيَّةِ التي

رَزِيَّتُها ما إنْ يُرَى كَعُجابِها

بِغَزَّةَ حَيْثُ المَوْتُ يُشْرَى وَيُشْتَرَى

وَتُخْتَلَسُ الأنفاسُ خَوْفَ اسْتلابِها

ومَنْ يَسْتَطِع صَبْرًا بِغَزَّةَ لا يُرَع

لِشَيْءٍ فَلَنْ يُؤْتَى بِمِثْلِ مُصابِها

وَدُورٍ غَدَتْ أخْفَى مِنَ الذَّرِّ فِي الدُّجَى

وكانَتْ مَنارًا للوَرَى فِي ضَبابِها

تَفَرَّقَ عَنْها إنْسُها فَوُحوشُها

كَأنَّ الحَياةَ تُجْتَنَى باجتِنابِها

وَقَفْتَ بها كالنخلِ يهتزُّ رأسُهُ

وسائِرُهُ ثَبْتٌ كأنْ ليسَ آبِها

ولَمّا تَجِدْ مِنْ آيِها لَكَ مُوهِمًا

وفِي الوَهْمِ سَلْوَى النَّفْسِ عِنْدَ ارتِيابِها

وقد كانَ مِنها كُلُّ شِبْرٍ مُعَلَّمًا

جَلِيًّا فأمْسَى كُلُّها مُتَشابِها

فما لَكَ كالمُستأذِنِ الدارَ واقِفًا

على ما تَبَقَّى مِنْ مُهَدَّمِ بابِها

أإنْ هُدِّمَتْ جَمَّدتَ نَفسَكَ فَوْقَها

كأنَّكَ مِنْ أوتادِها وقِبابِها

تُسائِلُها لا سامِعًا لِجَوابِها

وتُعتِبُها لا سامِعًا لِعِتابِها

كَأنَّ بها حِقْدًا عَلَى كُلِّ خاذِلٍ

لَها قَبْلَ أعداءٍ سَعَوْا فِي خَرابِها

وليسَ وفاءً للطلولِ بُكاؤُها

إذا لَمْ تُعَمِّرها أكُفُّ صِحابِها

وليسَ وفاءً للطلولِ بُكاؤُها

إذا هادِمُوها أفْلَتُوا مِنْ حِسابِها

فَدَع عَنْكَ ما لا يُرجِعُ الدَّهْرُ وانْسَهُ

بِطَعنِ كُماةٍ فِي الوَغَى وَضِرابِها

فإنْ لَمْ تَجِد فيها كَمِيًّا فإنَّما

نَزَلْتَ لأبناءِ القُرُودِ مُجابِها

أولاءِ بَنُو صُهْيونَ جاؤوا وكلُّهم

كعاهرةٍ قد جُرِّدتْ مِنْ ثِيابِها

عتاةٌ أمامَ الأضعفِينَ فإنْ رَأوْا

فَتًى شَرِقَتْ أبطالُهُمْ بِلُعابِها

أراذِلُ لَحمُ الشَّيخِ أشْهَى طَعامِها

لِئامٌ دَمُ الأطفالِ أشْهَى شَرابِها

تُقَتِّلُ فِي الأطفالِ وهْيَ جَزُوعَةٌ

وقد حَجَبَتْ صَرخاتِهِمْ بانْتِحابِها

لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ أمْثَلُ خُطَّةً

إذا الأرضُ أمْسَتْ نُهْبَةً لِقِحابِها

أتُحسَبُ إسرائيلُ في الأرضِ دولةً

ولمّا نُمَيِّزْ ناسَها مِنْ دَوابِها

إذا انْتَسَبَتْ كُلُّ الأنامِ تَلَفَّعَتْ

بِصَمْتٍ بنو صهيونَ عندَ انْتِسابِها

وما أصلُهُمْ إلا كِلابٌ رَعَتْهُمُ

أرُوبّا وأمْرِيكا كَبَعضِ كِلابِها

لنا هذه الأرضُ التي تَطْلُبونَها

فموتوا فإنَّ الموتَ عُقْبَى طِلابِها

لَئِنْ تَبْتَغُوا منها الترابَ مَنازلا

فإنَّ القبورَ حظُّكُمْ مِنْ تُرابِها

وأزْرَتْ بكم مِنْ أهْلِ غزةَ عُصبَةٌ

تَذُوبُونَ خوفًا مِنْ نذيرِ اقْترابِها

مَساعِيرُ حربٍ ، تشتهي موتَها ، ولا

تضامُ ، فلسطينيّةٌ ، أسْدُ غابِها

لدى نظرةٍ منها شَعرتُمْ كأنّها

تُقَلِّبُكُمْ في ظُفْرِها ثُمَّ نابِها

أذَلَّتْكُمُ بالأسْرِ فِي يومِ كَرِّها

وأعيَتْكُمُ بالقَصفِ يومَ انْسِحابِها

وما اسْتَنْفَرَتْ إلا رِجالا وَجُنْدُكُمْ

قد اخْتَلَطَتْ ذُكرانُها بِكِعابِها

تَصَرَّفُ فِي الأرواحِ مِنْ غيرِ حِسْبَةٍ

كَصَرفِ زَكاةٍ قبلَ عَدِّ نصابِها

ألا ليتَ شِعرِي كيفَ في الحربِ بلدةٌ

خنادِقُها غلابةٌ لهضابِها

وكيفَ لشعبٍ أعزَلٍ ظَلَّ ثابتًا

لعامَيْنِ فوقَ الأرضِ رغْمَ انْقلابِها

وما يَرهَبُ الغَزِّيُّ يومَ قيامةٍ

وقد عاشَ في دنياهُ يومًا مُشابِها

ألا لا يَغُرَّنَّ ابْنَ صُهيونَ صَبرُنا

فما الصبرُ للأحقادِ غيرُ جِرابِها

وإنّا لَعَمْرُ اللهِ إنْ حانَتِ الوَغَى

بِنا لَنَجُرَّنَّ العِدَى مِنْ رقابِها

أرادَ بنو صُهيونَ سَيناءَ مَهْجَرًا

لأهلِ فلسطينٍ رجاءَ اغْتصابِها

فَراعَتْهُمُ مِنّا جحافلُ صَلْدَةٌ

تَدُكُّ خُطاها الأرضَ عند انْتِدابِها

فراعنةٌ لا يُستطاعُ جِلادُها

مشابهةٌ أهرامَها في انْتِصابِها

بنو مصرَ مِنْ أبناءِ مِينا وأحمُسٍ

وبيبرسَ والساداتِ حُرّاسِ بابِها

هُمُ خيرُ أجنادِ البلادِ رِباطُها

تَقَدَّسَ فِي تاريخِها وكتابِها

فما كَرِهُوا وقتًا مِنَ العيشِ كالكَرَى

وما سَئِمُوا في الحربِ غيرَ ارتقابِها

وما احتَكَمُوا إلا إلَى الحَقِّ والعُلا

إذا احتكمتْ قومٌ بِسُنَّةِ غابِها

وقد عَلِموا أنَّ الحروبَ وسيلةٌ

لِسِلْمٍ ولا يُجدِي بغيرِ التهابِها

إذا لم تُساءَلْ بالسيوفِ جبابرٌ

فأضْيَعُ شيءٍ صوتُ راجِي جوابِها

ألا لا يَسَلْ قومٌ عَنِ المجدِ غيرَنا

فأهلُ القُرَى أدرَى الورَى بِشِعابِها

خذوها بني أمّي إليكمْ قلادةً

خُضَيْرِيَّةً أُفْرِدتُمُ باكْتِسابِها

على كَسرِها باءَ الرَوِيِّ تَرَفّعَتْ

إباءً وإعياءً لِطالبِ عابِها

لأبياتِها وَقْعُ الجُيوشِ إذا مَشَتْ

تَخايَلُ في أسيافِها وحِرابِها

فلمْ يُرَ أتْقَى مِنْ مُجازَى ثوابِها

ولم ير أشقى مِنْ مُجازَى عِقابِها

وَنحنُ لِمصرَ الحُرَّةِ البَرَّةِ الفِدا

نَجُذُّ يَدَيْ مَنْ رامَ مَسَّ جَنابِها

ومِنّا إذا طِرنا عُقابُ لوائِها

وفِينا إذا سِرنا لواءُ عُقابِها

ونحنُ غداةَ الرأيِ أدهَى شيوخِها

ونحن غداةَ الحربِ أعتَى شبابِها

وأسيافُنا حتفٌ لِباغِي قتالِها

وأشعارُنا رعبٌ لِباغِي سبابِها

وَفَيْنا لها والمُغْرِياتُ تَصُدُّنا

فَحُلْوُ سِواها عندَنا دُونَ صابِها

ولم نَغْتِرِبْ إلا بِنِيَّةِ عَوْدَةٍ

فإنَّ هوانَ النفسِ إلْفُ اغترابِها

ألامُ عَلَى فَخْرِي بمصرَ وإنني

كفانِيَ لَوْمًا أنني لَمْ أحابِها

وما أخْطأَتْ مصرٌ ولكنَّنِي ابنُها

أناصِرُها في خِطْئِها وصوابِها

أرُوحُ كما راحَتْ وأغْدُو كما غَدَتْ

وما زالَ دأبِي في الحياةِ كَدابِها

ولستُ بخِبٍّ يَتَّقِي الناسُ كَيْدَهُ

ولا تَطمَعُ الأخْبابُ بِي فِي كِذابِها

فَيا شانِئِي رُحمَى بنفسكَ لا تُقِمْ

على شَنَآنِي أو تَمُتْ باكتئابِها

وإنِّي لَرَوْضٌ فاسْتَمِدَّ ثمارَهُ

وإنِّي لنارٌ فاسْتَعِذ مِنْ عَذابِها

تَعَرَّضْ لِغَيْرِي إنني لكَ ناصحٌ

فما أنتَ كفءٌ للسُّهَى بخطابِها

وأنْكَرتَنِي فِي غَيْبَتِي جاهِدًا كَمَنْ

يُحاوِلُ نُكْرَ الشَّمْسِ وَقْتَ غيابِها

وَمَنْ يَقْتَرِفْ ظُلْمًا عَلَيَّ فَلا يَتُبْ

فما أرحَمُ الظُّلّامَ بعدَ مَتابِها

تَمَنَّتْ سَلامِي أمُّ مارِيَّةٍ وقد

نَكَبْتُ الأعادِي واتِرًا لِغِضابِها

أبَحتُ حِمًى كانَتْ لَعَمْرِي مَنِيعَةً

بِحُمْرِ النِّصالِ لُدْنِها وَصِلابِها

تَهَيَّبَها قبلِي رِجالٌ أعِزَّةٌ

فآلَيْتُ لا ألهُو بِغَيْرِ مُهابِها

وقالتْ أبيتَ اللعنَ إنْ رُمْتَ غزوةً

تَحَرَّ أبا مارِيَّةٍ مِنْ مآبِها

فقلتُ اسْكُنِي إنَّ الرَدَى ليسَ ذاهِبًا

بِنَفسِ امْرِئٍ لمْ يَأْنِ يومُ ذهابِها

وإنِّي لَدَفّاعٌ هَوَى النفسِ بالحِجا

ومَنّاعُها بالكَرهِ عندَ اضطرابِها

وإنِّي لَنَزّاعُ الهَواجِسِ بالسُّرَى

وقَصدِ الذُرَى مُستأنِسًا بانْتِهابِها

وإنِّي لأُجْرِي العادِياتِ كأنَّها

شَظايا بِجَوٍّ فُجِّرتْ مِنْ شِهابِها

وإنِّي لأُمْضِي المُرهفاتِ كأنَّها

قُروشُ بحارٍ قَطَّعَتْ فِي عُبابِها

تَخَلَّيْتُ عَن عَدِّ السنينِ وَمَنْ يَعِشْ

ثلاثينَ عامًا يَبْتَئِسْ باحتِسابِها

ولستُ بناسِي الموتِ إلا تَعِلَّةً

كَنَسْيِ الرؤوسِ الشَيْبَ عندَ خِضابِها

فإنْ يُرتَقبْ ذُلِّي فَرُبَّ عُصابَةٍ

تَسيرُ المَنايا والمُنى في رِكابِها

عُهِدتُ بها حَوْلِي أكابِرُ مِنْ بَنِي

أكابِرَ ما مِنْ مَنْعَةٍ كاصطِحابِها

بُبُورٌ ضَوارٍ إنْ ألمَّتْ بِغابةٍ

خَلَتْ كُلُّ أرضٍ حولَها مِنْ ذئابِها

تعاليتُ فيهم والتعالي يليقُ بِي

كأنّي لهمْ بدرُ السَّما لِسحابِها

وما زالَ طَرقُ المَجْدِ دأبِي ودأبَهم

ووصلُ المعالي واعتناقُ صعابِها

إلى أنْ أرادُوا خُطَّةً غيرَ خُطَّتِي

يُظَنُّ بِمِثْلِي العارُ عندَ ارتكابِها

ومالَتْ إليهمْ ثُلَّةٌ بعد ثُلَّةٍ

كَمَيْلِ ظماءٍ فِي الفَلا لِسَرابِها

وجاؤوا زَرافاتٍ إليَّ كأنَّهُمْ

نِمالٌ تَوَخَّتْ كِسْرَةً لاجْتِذابِها

وقالُوا أطِعنا تَغْنَ فِينا أو اعصِنا

تَسُمْكَ بناتُ الدهرِ شَرَّ عذابِها

فَلَمّا أبَوْا إلا الذِي قد أبَيْتُهُ

وإنِّي أبِيُّ النفْسِ عندَ غِلابِها

نَبَذتُهُمُ نَبْذَ الصحيحِ لأجْرَبٍ

وعُدتُ بِنفْسِي وحدَها وكَفَى بِها