تخطَّ إلى المحتوى

لنجوت لو أن الطيوف سيوف

الكامل

١٨٩ بيت

الوصف

لَنَجَوْتُ لَو أنَّ الطُّيُوفَ سُيوفُ

أكرمْتُها ، فَمِنَ الحُتُوفِ ضُيوفُ

قَدِمَتْ وقد عَلِمَتْ نَدايَ وأنَّنِّي

رَجُلٌ بأجْمَعِ ما لَدَيهِ يُضِيفُ

فَقَرَيْتُها بالدمعِ خالَطَهُ دمٌ

قانٍ ، فؤادِي إثْرَهُ مَنْزُوفُ

تَنْهَلُّ مِنْ عينِي الدماءُ كأنَّها

حَبّاتُ رُمّانٍ فُرِطْنَ قُطُوفُ

يا طيفُ ما أغراكَ بِي ؟ إنِّي امرؤٌ

ما فيهِ إلّا أعظُمٌ قد عِيفُوا

عَبَثًا تُذَكِّرُنِي بعهدِ صَبابةٍ

هُوَ في جَنانِي تالِدٌ وطَرِيفُ

ما شِئْتَ خُذْ إلا الذي أبَتِ العُلا

إنِّي لِما تأبَى العُلا لَعَيُوفُ

إنْ أمْتَحَنْ ، فلقد أُراعُ لِظَبْيَةٍ

عَرَضَتْ ، وأقْتَحِمُ الشَرَى فأُخِيفُ

ولقد يُرَوِّعُ طَيْفُ رِئْمٍ ناحِلٍ

أسدًا تَرُوعُ الأسْدَ مِنْهُ طُيوفُ

ما كانَ لِي مِنْ مَقْتَلٍ لولا الهَوَى

كَمْ خابَ راسٍ لُبُّهُ مَرجُوفُ

لَغَدَوْتُ أمْنَعَ سائرٍ فوقَ الثرَى

لو كانَ يُبدَلُ خافِقٌ مَشغُوفُ

وَلَبِتُّ أغنَى كانِزٍ بَيْنَ الوَرَى

لو كانَ يُشْرَى ساخِنٌ مَذْرُوفُ

وأرَى الهَوَى عدلًا وإنْ يَكُ ظالِمِي

فَبِهِ اسْتَوَى ذو قوةٍ وضَعيفُ

كالموتِ غيرَ مُفَرِّقٍ بَيْنَ الوَرَى

فيه سواءٌ مشركٌ وحنيفُ

بِمَ أتَّقِي عينينِ سَوْداوَيْنِ مَنْ

سَهْماهُما عَرَضَا لَهُ مَنْسُوفُ

لِخَرِيدَةٍ بيضاءَ أمّا قلبُها

فَغَضًا وأمّا جِسْمُها فَرَهِيفُ

إنْ تَأتِ كُلَّ الصالحاتِ فَحَسْبُها

في الحشرِ أنِّي ذنبُها المَقرُوفُ

يا أُمَّ مارِيّا السلامُ عليكمُ

ما انصَبَّ دَمْعٌ في هواكِ ذَرُوفُ

بِكِ قَد عَتَا مَرَضُ الذي في قلبِهِ

مَرَضٌ ، وقلبكِ كالسحابِ نَظِيفُ

إمّا نَكِرتِ مُعَذَّبًا لِسُكُونِهِ

فلقد يَدُلُّ على الجحيمِ خَصِيفُ

للهِ دَرُّكِ مِنْ لَعُوبٍ قد بَرَتْ

بحديثِها الأجسادَ وهْوَ ظَريفُ

بَسَّامَةٍ تُغرِي الأنامَ بِوُدِّها

فإذا أريدَ سِواهُ فهْيَ صَدُوفُ

جَمَعَتْ مع الدَّلِّ العفافَ وصانَها

سِترٌ وبيتٌ رَبُّهُ غِطريفُ

تَختالُ في حُلَلِ الحريرِ كأنَّها

طاوُوسُ رَوْضٍ بالعُطُوفِ عَطُوف

تَمْشِي فيسبِقُها الأريجُ مُبَشِّرًا

وَلَها الشَّذَى أنَّى تَسِيرُ رَدِيفُ

تَفْتَرُّ عَنْ فُلٍّ يُرَطِّبُهُ نَدًى

فاقَ الرُّضابَ لَوَ انَّهُ مَرشوفُ

وإذا تَوَرَّدَ خدُّها فكأنَّهُ

شَفَقٌ تَوَسَّطَ فِي السماءِ طَفِيفُ

في مَسِّها دِفْءٌ إذا جَدَّ الشِتا

وبهِ ابْتِرادٌ إذْ يَجِدُّ مَصِيفُ

ومَقامُها فِي السّاحِراتِ بِحُسْنِها

كعَصاةِ موسَى فِي العِصِيِّ مُنِيفُ

ما أنْسَ لا أنْسَ التقاءَ عيونِنا

ليلًا بقاهرةٍ ونحنُ وُقوفُ

من حولِنا شجرٌ تراقَصَ فَرعُهُ

فكأنَّهُ قلبي اعتْراهُ وَجِيفُ

وأمامَنا النيلُ استَبَدَّ سُكونُهُ

فكأنَّهُ طرفِي دَهاهُ خُسُوفُ

وكأنَّهُ لِلسَّمْعِ مُسْتَرِقٌ فما

يَرتَجُّ خَشْيةَ أنْ تضيعَ حُروفُ

مُتلهِّفًا لجديدِ ما يُحكَى فَكَمْ

تُلِيَتْ عليهِ مِنَ الغَرامِ صُنوفُ

فسألتُها : مَنْ أنتِ ؟ قالتْ : كيفَ لَمْ

تعرفْ وهذا حُسْنُنا معروفُ ؟

أنا مِنْ عِراقِ المجدِ ، قلتُ : فمرحبًا

إنَّ العِراقَ لمصرِنا لَحَلِيفُ

أنا بالعراقِ مُتَيَّمٌ وبِأُسْدِهِ

كَلِفٌ وبالغزلانِ مِنهُ شَغُوفُ

قالتْ : أصَدَّقْتَ المُزاحَ ؟ فإنَّني

مَكِّيَّةٌ ، فأجبتُ : حَيثُ أطُوفُ

حيثُ الحجارةُ فوقَ كُلِّ مُجَوْهَرٍ

حيثُ الحمائمِ كالأنامِ عُكُوفُ

قالتْ : خَدَعتُكَ مَرَّتينِ وإنَّني

يَمَنِيَّةٌ ، قلتُ : اليَمانُ مُنِيفُ

حَيْثُ الحُصونُ شَواهِقٌ حَيْثُ الجِيا

د صَواعِقٌ حيث العِصِيُّ سُيوفُ

قالتْ : كَذَبتُكَ إنَّني قُدسِيَّةٌ

فأجبتُها : حيثُ الهواءُ شَريفُ

حيثُ الترابُ علَى السحابِ مُفَضَّلٌ

حيثُ المَلائكُ للصلاةِ صُفُوفُ

قالتْ : ألا لَقَدِ امْتُحِنْتَ فلَمْ تُجَزْ

مَنْ لا يَمِيزُ المَغربِيَّ كَفِيفُ

فأجبتُها : بَلْ قد أرَى لَكِنَّهُ

بالحُسْنِ أعيا الواصِفَ المَوصُوفُ

قالتْ : خَدَعتُكَ خَمْسَ مَرّاتٍ ، ألَمْ

تَعِ بعدُ مَنْ أنا أيُّها الملهوفُ ؟

فأجَبتُها : أدرِي بأنكِّ جارَةٌ

مِصرِيَّةٌ فسَناكِ لِي مَألوفُ

لكنَّني خِفْتُ انقطاعَ حديثِنا

فإذا وَصَلْتِ فما لديَّ مَخُوفُ

كَذِبُ الحبيبِ ألَذُّ لِي وأبَرُّ مِنْ

صِدقِ امْرِئٍ عَنْهُ الهَوَى مَصرُوفُ

كُونِي وصِيرِي حيثُ شئتِ فإنَّني

وأبيكِ ما لِي عَنْ هَواكِ عُزُوفُ

قالتْ : فلو كَذَّبْتَني لَصَدَقْتَني

فاذْهَبْ لِغَيرِي فالنِّساءُ لَفِيفُ

فأجبتُها : ما لِي بغيركِ حاجَةٌ

لكنَّني بالعالَمينَ رَؤوفُ

لا يَمْنَعَنَّكِ مِنْ وِصالِيَ أنْ بَدا

مِنِّي لَهُنَّ الخَيرُ والمَعرُوفُ

أنتِ النسائِمُ والنساءُ عَواصِفٌ

أنتِ الرَّبيعُ وكلُّهنَّ خَريفُ

يا أُمَّ مارِيّا أجِدَّكِ ما لنا

مِنْ أيِّ حُلوٍ مِنْ جَناكِ قُطُوفُ ؟

أنَصِيبُ مِثْلِي مِنْ نَصِيفٍ نَظرَةٌ ؟

ونَصِيبُ غيرِي ما حَواهُ نَصِيفُ ؟

لا يَمْنَعَنَّكِ مِنْ وِصالِي أنَّنِي

رَجُلٌ بَرَتْهُ مِنْ الزمانِ صُروفُ

لا يَمْنَعَنَّكِ مِنْ وصالِي أنَّني

فردٌ تَوَحَّدَّ والعَدُوُّ زُحُوفُ

فَهُمُ الأُلَى أحرَى بهم أنْ يُدبِرُوا

لو أنَّ رأسَهُمُ المُشيرَ حَصِيفُ

إنِّي امْرُؤٌ هَمِّي الخُلودُ وَهَمُّهُمْ

في كُلِّ يومٍ شَربَةٌ ورَغِيفُ

فَعَلَيَّ أنْ أرِدَ الذُّرا وَعَلَيْهِمُ

أنْ يَهْجَعُوا حيثُ المُقامُ كَنِيِفُ

أغشاهُمُ حِلمًا وإنِّي لَامْرُؤٌ

تَحمَرُّ لِي إمّا غَضِبْتُ أنُوفُ

مِنْ بيتِ مُحسِنٍ الأغَرِّ ومِنْ بَنِي

حَسَنٍ ومِنْ آلِ الخُضَيرِ ألُوفُ

مِنْ نَسْلِ جَبّارينَ خَلَّدَ ذِكْرَهَمْ

حَطْمُ الرُّدَيْنِيّاتِ والتَّثْقِيفُ

لا تألَفُونِي أنْ سَمَحتُ فَتَهْلَكُوا

والليثُ يأنَفُ أنْ يقالَ ألِيفُ

إنِّي لَواصِلُ مَنْ أرادَ مَوَدَّتِي

ومُغِيثُهُ إمّا دَهَتْهُ صُروفُ

وأقولُ لِلْخِلِّ المُغَيِّرِ وُدَّهُ :

طِر لا أبا لَكَ ما عليكَ أسِيفُ

ومُدَلَّلٍ ما مَسَّ قطُّ جَبِينَهُ

عَرَقٌ ، وأوْرَثَهُ النعيمَ سَلِيفُ

يَدُهُ كأيدِي الغانياتِ رَقيقةٌ

وتَميلُ أردافٌ لهُ وعُطُوفُ

حَسِبَ الكَرامَةَ تُشْتَرَى بِدَراهِمٍ

وبأنَّ كلَّ أخِي طَوًى مَلهُوفُ

عادَى فأخْطَأَ في اختيارِ عَدُوِّهِ

فاعتامَ ذا لِبَدٍ حِماهُ مَعِيفُ

لا والذي أنزلتُ رَحلِي بيتَهُ

وزَكَتْ صَلاةٌ لِي بهِ وعُكُوفُ

وسَعَيْتُ بينَ المَروَتَيْنِ مُكَرَّمًا

وأعَزَّنِي بالكعبةِ التَطْوِيفُ

وقَفَلْتُ أمْسَحُ مَفْرِقِي وكأنَّهُ

مِنْ بَعدِ حَلْقٍ طائرٌ مَنْتُوفُ

هيهاتَ مِنِّي الذُّلُّ إلّا أنْ يُرَى

للشَمْسِ مِنْ حَصْبِ الجَهُولِ رُجُوفُ

فاشْرَبْ وَكُلْ وَدَعِ الجِلادَ لِأهْلِهِ

واخْشَ الزمانَ فما تَقِرُّ ظُرُوفُ

ما أنْتَ لِي بالنِّدِّ فاتَّقِ شِرَّتِي

فَلَئِنْ دَهَتْكَ لقد دَهَتْكَ حُتُوفُ

ولقد عُهِدتُ غريمَ أشأمَ غاشِمٍ

منهُ الجِنانُ إذا يَمُرُّ تَنُوفُ

ولقد شَهِدْتُ الجيشَ تَلْفَحُ نارُهُ

وجْهِي كأنِّي للشواءِ صَفِيفُ

ما ضَرَّنِي ثَمَّ العدوُّ بِضَربَةٍ

ولقد يُجَرِّعُكَ التُرابَ حَلِيفُ

ألْفِيتُ أَلْيَنُ مِنْ مَفارِشِيَ الحَصَى

وَرُئِيتُ أطْيَبُ مِنْ طعامِي اللِّيفُ

ولقد أذَلَّ عِدايَ منِّي مِقْوَلٌ

مُتَجَبِّرٌ عاتِي الهجاءِ قَصُوفُ

تَسْتَكُّ مِنْهُ إذا وَعَتْهُ مَسامِعٌ

وتَذُوبُ مِنْهُ إذا حَوَتْهُ صَحِيفُ

ويَحِسُّنِي زاهٍ بِرُتْبَةِ أنْجُمٍ

مَلِكًا عليهِ وَرُتْبَتِي عَرِّيفُ

ولقد نَكَبْتُ حِمَى الجَبابِرِ لاهِيًا

وصَرِيخُهُمْ لِمَسامِعِي تَشْنِيفُ

وَلقد أبَيْتُ إذِ الإباءُ مَهالِكٌ

وَلقد رَضِيتُ إذِ الرِّضاءُ حُتُوفُ

فَلْيُجْتَنَبْ غَضَبِي ألا إنِّي فَتًى

عَجِلُ النّفيرِ إلى الطّعانِ خَفِيفُ

بِيَدَيَّ أعمارُ السيوفِ قَصيرَةٌ

إن عُمِّرَتْ بِيَدِ العَدُوِّ سُيوفُ

عِندِي الصِّفاحُ كأنَّهُنَّ عَواهِرٌ

ثَلَمًا ، ودرعِي كالبَتُولِ عفِيفُ

فَلَئِنْ أكُنْ للسابغاتِ أمانَها

إنِّي كذلكَ للظُبا تَخوِيفُ

يا أمَّ ماريّا سلِي عنِّي الوَرَى

يُجْهِدهُمُ إن أنصفوا التَّشرِيفُ

يُخْبِركِ كُلُّ مُصَدَّقٍ يَحسُو الردَى

لو كانَ ضامِنَ عيشِهُ التزْيِيفُ

أنِّي إذا علَتِ البُنُودُ وأشْهِرَتْ

قُضُبٌ ودُقَّتْ للهِياجِ دُفُوفُ

مُتَقَدِّمُ الأقرانِ لا مُتَقَدَّمٌ

خَلَفُ العُتاةِ الغُلْبِ لا مَخْلُوفُ

كالصَّخْرِ جَلْدٌ ، كالرواسِي ثابِتٌ

كالبرقِ ماضٍ ، كالرعُودِ هَتُوفُ

وَلَئِنْ سَألْتِ بِيَ العُدُولَ مِنَ الأُلَى

شَهِدُوا ولَمْ يُعهَد بِهِم تَصحِيفُ

لَيُنَبِّئُنَّكِ أنّني ذو مِرّةٍ

يَعرُو بِطَلْعَتِيَ البَلاءَ كُسُوفُ

أنّي مِنَ الصُدُقِ المُحَكَّمِ قِيلُهُمْ

وفَعالهُمْ لِمَقالِهِمْ تَعرِيفُ

أنِّي المُوَجِّهُ حيثُ شِئْتُ مِنَ الدُّنا

رَكْبِي وإنْ رغِمَتْ هناكَ أنُوفُ

أنِّي المُجَلْجِلُ والمُزَلْزِلُ والمُسَلْ

سِلُ مَنْ طَغا وعلَى الظَّلُوُمِ أحِيفُ

أنِّي الغَناءُ لِمِصرَ إنْ عَزَّ الغَنا

لَمْ تَخْلُ منهُ مدينةٌ أو رِيفُ

أنِّي لِأرزاءِ الأنامِ مُخَفِفٌ

وَرَزِيَّتِي ما إنْ لها تَخْفِيفُ

أنّي لِأدمُعِ كلِّ باكٍ ماسِحٌ

وبكلِّ جَنْبٍ لِي يَفُورُ نَزِيفُ

وأنا الرَّدَى ما إنْ أُغالَبُ ، والنَّدَى

ما إنْ تَحُدُّ جَدا يَدَيَّ سُقُوفُ

إما تَرَيْنِي قد أرِقْتُ مِنَ الهَوَى

حتَّى كأنِّيَ للظلامِ وَصِيفُ

وكأنَّ عينِي للنجومِ سَمِيرَةٌ

وكأنَّ صدرِي للهمومِ كُهُوفُ

فَلَرُبَّ صُبْحٍ سَوَّدَتْهُ عَجاجَةٌ

فكأنّما سُدِلَتْ عَلَيْهِ سُجُوفُ

كَشَّفْتُهُ ضَربًا بأبْيَضَ لامِعٍ

تَنْشَقُّ منهُ إذا يُسَلُّ صُفُوفُ

وَلَرُبَّ أروَعَ كالهِزَبْرِ مُعَلَّمٍ

يغشَى القَنا وجَبِينُهُ مَكشُوفُ

يَرِدُ المَلاحِمَ غَيرَ هائِبِ أهلِها

كالزُّغْبِ طارتْ حيثُ لاحَ رَفِيفُ

ما إنْ يُبالِي بالذِي هُوَ تارِكٌ

فَمُؤَمِّنٌ أو قاصِدٌ فَمُخِيفُ

كالبَندِ يَقْدُمُ قومَهُ مُتَعالِيًا

مَنْ يَدنُ مِنْهُ فإنَّهُ مَقْصُوفُ

لا تُدرِكُ الأبطالُ منهُ شَعرَةً

إلا فَداها مَفْرِقٌ مَقطُوفُ

أفْضَى بهِ شُؤمٌ إلَيَّ ولَمْ تَكُنْ

لِيَ عُدَّةٌ إلّا نُهًى وكُفُوفُ

طَلَبَ النِزالَ فَهالَهُ ما نالَهُ

وجلَوْتُ عنهُ وقلبُهُ مَخطُوفُ

ولقد يُسَرِّي الهَمَّ عنِّي أجْرَدٌ

طِرفٌ لَهُ كالذارِياتِ عُصُوفُ

فَحلٌ يُطاوِلُ في العُلُوِّ بَوازِلًا

وَلَهُ كَأكْتافِ اللَّياحِ كُتُوفُ

كالظَّبْيِ في عَيْنَيْهِ كالسِّنَّوْرِ في

أذُنَيْهِ أسْحَمُ كالغُرابِ صَرِيفُ

وكأنَّ رَقْبَتَهُ الجبالُ ، ووَجْهَهُ

جُرفٌ لها ، والمَنْخِرَيْنِ كُهُوفُ

يَزهُو بِشَعرٍ إذْ يَسِيِرُ مُرَفْرِفٍ

كجناحِ نَسرٍ جَدَّ منهُ حَفِيفُ

ويَهُزُّ ذيْلًا إذْ يُغَمُّ كأنَّهُ

غُصْنُ الطُلُوحِ مُصَفَّفٌ وكَثِيفُ

أنسابُهُ مِصرِيَّةٌ ما شابَها

دَمُ غيرِها مِنْ قبلِ أعصُرِ خُوفو

أجْلَى بها الهُكْسُوسَ أحمُسُ واعتَلَى

خُلفاؤُهُ هامَ الملوكِ وَخِيفُوا

ما راعَنِي إمّا أخذتُ زِمامَهُ

قَفْرٌ بِكُلِّ بَليّةٍ مَحفُوفُ

الوَحشُ في ساحاتِهِ ، والجِنُّ فِي

جَنَباتِهِ ، والموتُ فيه يطوفُ

جاوَزتُهُ مُتَنَزِّهًا وكأنّما

تَحتِي عُقابٌ لا يُرامُ مَخُوفُ

مِثْلَ النُمورِ ضَراوَةً ، مِثْلَ البُبُورِ

قَساوَةً ، مِثلَ الأسُودِ شَرِيفُ

قد رُضْتُهُ ، وَلَكَمْ أذَلَّ مُرَوِّضًا

قَبلِي ، وكمْ قد خَرَّ عَنهُ عَنِيفُ

ويُرَى فَيُحَسَبُ جامِحًا ، وَوَحَقِّهِ

إنَّ الذي مِنْ فَوقِهِ لأنُوفُ

أنا وَهْوَ مَجْنُونانِ يُجْهَلُ أيُّنا

منهُ لأمْرِ الآخَرِ التَّصرِيفُ

لمْ يَبْلُ سَوطًا أوْ صُراخَ مُعَنِّفٍ

إنَّ الكَريمَ يَغِيظُهُ التَّعنِيفُ

وَهُوَ الطَّرُوبُ إذا عَزَفْتُ لَهُ ، وإنْ

سَمِعَ القَرِيضَ اهتزَّ منهُ صَلِيفُ

وإذا أتِيحَ الزادُ لَمْ يَعجَلْ لَهُ

وإذا تَعَسَّرَ لمْ يَسُؤهُ ظَلِيفُ

تَهفُو لَهُ الأفراسُ إنْ عَرَضَتْ لَهُ

ويَمِيلُ عنها آنِفًا ويَعِيفُ

وإذا طَلَبتُ بهِ الظِّبا فكأنَّهُ

إذ جازَها هُوَ صَيْدُها الملهوفُ

وإذا تَتَبَّعتُ الغُيومَ بِهِ بدَا

وكأنَّهُ هادٍ لَهُنَّ مَقُوفُ

وإذا جَرَى فوقَ المُرُوجِ أحالَها

بورًا لِما أفنَى بها التَّجْرِيفُ

يطأُ الثَرَى وردًا وشَوكًا لا يرَى

فَرقًا كأنَّهُما لديهِ شَفِيفُ

لولا عَواصِفُ جَريِهِ فوقَ الحَصَى

جَعَلَتْ حَوافِرُهُ الجحيمَ يُنِيفُ

وإذا جَرَى بتأهُّبٍ فكأنَّهُ

بَرَدٌ يَخِرُّ مِنَ السماءِ قَصُوفُ

وإذا جَرَى بتمهُّلٍ فكأنَّهُ

خُزَزٌ دقِيقُ المَنْكِبَينِ لَطِيفُ

يمشي يَغُرُّ بِهِ الفِراءُ مُكَوِّرًا

لكنَّ ما تحتَ الفِراءِ قَضِيفُ

بَيْنا يُقَضِّي فِي المَراعِي شَأنَهُ

إذ راعَهُ صَقْرٌ إليهِ يَزُوفُ

لمْ يَسْهُ إلّا بُرهَةً فإذا بِهِ

مِنْ فَوقِهِ فَمُ جارِحٍ مَعقُوفُ

فَنَأتْ بِهِ قَدَماهُ لا يَدرِي بها

فَنَجا ، وقد تُخطِي الهَلُوعَ حُتُوفُ

وإذا جَرَى بِتَوَسُّطٍ فكأنَّهُ

كَشْماءُ مِنْ نُجُبِ الفُهُودِ زَفُوفُ

في مَدمَعَيْها شامَتانِ كأنَّما

بِهِما لِمُسْوَدِّ المِدادِ وَكِيفُ

والخالُ عَمَّ بِجِلْدِها فكأنَّما

بالحبَّةِ السوداءِ عُمَّ رَغِيفُ

وكأنَّما يَدُها غُمُودُ خَناجِرٍ

وكأنَّما منها النُيُوبُ سُيُوفُ

جَوّابَةُ الفَلَواتِ تَلْقَفُ ما ترَى

وثّابَةُ الخَطَواتِ حيثُ تَطُوفُ

تُلْغِي الزَّمانَ إذا جَرَتْ فَطَرِيدُها

سِيّانِ منهُ تَحَرُّكٌ وَوُقُوفُ

وَيُرَى كإقبالٍ لها إدبارُهُ

فكأنَّهُ صَوْبَ الرّدَى مَقْذُوفُ

ولها ثَلاثةُ أشْبُلٍ فَطَمَتْهمُ

ومضتْ بِهِمْ أثَرَ الظِّباءِ تَقُوفُ

حَتَّى رَمَتْ بِهِمُ الدُّرُوبُ مُضِلَّةً

في تِيهِ قَفْرٌ لَمْ يَطَأهُ وَظِيفُ

ما فِيهِ ذو رُوحٍ فَيُرجَى أكْلُهُ

أو فِيهِ مِنْ لَفْحِ الهَجِيرِ كَنِيفُ

فَقَضَوْا بِهِ الأيامَ أسرَى للطَوَى

واليَأسُ حَوْلَ رقابِهِمْ مَلفُوفُ

عَثَرَتْ بهاوِيَةِ الطِرادِ حُظُوظُها

لِطِرادِ وَهْمٍ ليسَ فيهِ مَشُوفُ

لَمْ يُغْنِ عنها نابُها أو ظُفْرُها

أو ناظِرٌ بالخافِياتِ عَرُوفُ

وَتَلَفَتَتْ فَزَعًا لِأشْبُلِها وقد

خرُّوا صُموتًا ، والحِمامُ خَطُوفُ

فَتَوَجَسَّتْ فَتحَسَّسَتْ فَتَيَقَّنَتْ

في اثنينِ مَوْتًا ما لَهُ تِحرِيفُ

وأتَتْ لِثالثِهمْ بقَلبٍ والِهٍ

فإذا بهِ رَمَقٌ ومنهُ رَجِيفُ

فانْكَبَّتِ الثَّكلَى تَحُوطُ وحِيدَها

لعقًا ، ولوْ أنَّ اللسانَ جَفِيفُ

ترنُو إليهِ وما تَرَى مِنْ حِيلَةٍ

والعَجْزُ مِنْ قبلِ الحُتُوفِ حُتُوفُ

قد هدَّها ثُكْلٌ وجُوعٌ قَبْلَهُ

وَمَخافَةُ الغَدِ بعدُ فَهْيَ خَسِيفُ

حتى إذا حَمِيَ البلاءُ وأيْقَنَتْ

أنْ ليسَ نافِعَ أمرِها التَسْوِيفُ

نَهَضَتْ بعزمِ كتيبةٍ مَوتُورَةٍ

بِلِقاءِ واتِرِها لها تَكْلِيفُ

وَمَشَتْ كَدَبِّ النملِ تحملُ شبلَها

بِفَمٍ كَمِثْلِ البُسْرِ وهْوَ شَسِيفُ

وَغَدَتْ مُناها أنْ تُصادِفَ مَيْتَةً

وهِيَ التي غيرَ المَصِيدِ تَعِيفُ

وَتَبَسَّمَ القَدَرُ العَبوسُ لِوجهِها

فَبَدا لها ظِلٌ يَجُولُ نَحِيفُ

فرأتْ مَهاةً حالُها من حالِها

تِيهٌ وجسمٌ بالسَّغابِ عَجِيفُ

فَتَوَقَدَتْ ذاتُ النُيُوبِ وأرعِدَتْ

ذاتُ القرُونِ وطَرفُها مَخْسُوفُ

نَسِيَتْ مَجاعَتَها وطارَ صوابُها

وجَرَتْ بأسرعِ ما جرَى مَهْدُوفُ

لوْ أنّها مَطْلُوبَةٌ مِنْ راكِضٍ

لَنَجَتْ ، ولكِنَّ الطَّلُوبَ عَصِيفُ

وَدَرَتْ وإنْ طالَ النَّجاءُ بأنَّهُ

لا بُدٌ يومًا رأسُها مَلْقُوفُ

فَلَذاكَ أكرَمُ فِي الغُدُوِّ وفِي السُرَى

خِلًّا إذا عَمَّ الفضاءَ عُسُوفُ

وَزَوَتْ مَخانِيثُ البِلادِ قُرُومَها

سَفَهًا ، ومُكِّنَ فِي الرِّقابِ قَرُوفُ

وإذا تُخِيِّرَ للمنابِرِ أبْكَمٌ

أعمى ، وحُكِّمَ في القريضُ جَلِيفُ

وإذا وَهَتْ فِطَرُ الوَرَى وَتَشَوَّهَتْ

غَصبًا ، وَعُيِّرَ بالعفافِ عَفِيفُ

وإذا التَصابِي اعتِيدَ مِنْ أشياخِها

واعتِيدَ مِنْ فتيانِها التَّخرِيفُ

وإذا الذُّكُورُ غَدَوْا إناثًا ، والإناثُ

غدَتْ ذكورًا ، والوجُوهُ زُيُوفُ

وإذا الغَنِيُّ أضَلَّ عَنْ سُبُلِ الغِنَى

لُؤمًا ، وَزُيِّنَ للوَرَى التَّقْشِيفُ

فَيَكِلُّ مِنْ نَصَبِ المَعِيشَةِ ماجِدٌ

وَيَمَلُّ مِنْ تَرَفِ الحياةِ سَخِيفُ

ويقولُ لي الجهلاءُ : بِع ، وَلَكَ الغِنَى

هذا لَعَمْرِي الغَبْنُ والتَّطْفِيفُ

ما ساءَنِي أنْ قِيلَ : نِمْتَ وأدلَجُوا

أوْ أنْ يقالَ : لقد مَرِضْتَ وعُوفوا

أَأَبِيعُ مَنْ لَصَهِيلُهُ أشْهَى إلَى

أذُنَيَّ مِمّا يَصنَعُ المَعزُوفُ

وَلَظَهْرُهُ الصَّوّانُ أكْمَلُ راحَةً

مِنْ مَضْجَعٍ وَثِرٍ حَشَاهُ كَثِيفُ

وَلَساقُهُ أوفَى ضَمِينٍ بالذِي

أبغِي إذا بَذَلَ العُهُودَ خَلِيفُ

وَصّالُ ما أنا واصِلٌ ، صَرّامُ ما

أنا صَارمٌ ، مِنْهُ نَجًا وزُعُوفُ

فَبِهِ الصَدِيقُ وإنْ تَباعَدَ آمِنٌ

وَبِهِ العَدُوُّ وإنْ نَأَى مَثقُوفُ