أيا رَبَّ هذي الشِّفاهِ القتيلةِ،
يا من خرجتَ مِنَ الليلِ،
تغمرُ وجهَ السَّكونِ ضياءً،
كصوتِ العصافيرِ...
: "أيْنك عبدي؟! "
أنا يا إلهي، هنا، تحت عصفِ المنافي،
تراني...
أُناضِلُ في البردِ وحدي،
وفي الجَدبِ وحدي،
وكنتُ أَعدُّ انتِحَائي مكاناً لأكتبَ،
مثلَ وقوفي بِمِحرابِ ذِكْرِ،
أُجَاهدُ بالحرفِ ليلي نهاري،
أَثُلُّ عروشَ الخرافةِ،
أُوقِدُ حِبري،
لِتَلتَهِمَ النَّارُ، عَبرَ المسَافَاتِ،
فِكرةَ بَغيٍ،
أَرَادَ دُعاةُ الفَسَادِ لها أَنْ تعيشَ
مُقنَّعةً،
مَرّةً بالأغاني
يُردِّدُها الشَّعبُ في كلِّ حينٍ
وتصدحُ في جَنَباتِ الشُّعورْ...
وحيناً فَسَادَ التَّصوُّرِ،
عَبرَ رَوَاجِ التَّفَاهَةِ
سِيَّانِ –
كانتْ
خلالَ المنَابِرِ،
عَبرَ الصَّحافةِ،
أو عَبرَ مَقهَى خمورْ...
وكنتُ أظنُّ اهِتماميَ بالشِّعرِ يُرضيكَ،
لكنْ... عَلِمتُ بأني ضَلَلْتُ الطَّريقَ،
وكنتُ غبياً لأبعدِ حَدِّ!
لقد كنتُ أعمى البصيرةِ عمري،
وكنتُ — على ثقتي بانعزالي —
أظنُّ رِفاقي،
رفاقي على العسرِ واليُسرِ،
جَنْباً لِجَنبٍ،
وَزَنْداً بزندِ...
وأنّي إذا ما تَسَرْبلتُ جوعي،
ولم أتوقَّفْ عن الشَّجبِ ضدَّ البُغاةِ،
أحرِّضُ كلَّ الجبالِ عليهمْ،
وكلَّ الزهورِ،
وكلَّ النخيلِ،
وكلَّ الرجالِ،
وكلَّ النساءِ،
وأني إذا ما تَسَرْبَلتُ جوعي،
فحسبي بأني خطرتُ على بَالهِمْ ذاتَ وَجدِ.
وكنتُ أُلِقِّنُ صوتَ الرياحِ قصائدَ حقدي،
وكانت كلابُ البغاةِ كظلِّي،
تميلُ عليَّ إذا مالتِ الشَّمسُ،
تسبقني للمكانِ،
تُفتِّشُ أكلي،
وتجلِدُ سُهدي،
تَشمُّ حروفي،
وتقلبُ طاولتي فوق رأسي،
وتكسرُ كأسي،
وتهزمُ نفسي،
وتُجبرني أن أراقبَ كيفَ
يُعَرُّونَ شِعري،
يَفُضّون أبكارَ تلك الصَّبايا
— بناتِ الخواطرْ —
ويرمونها قِشرةً،
لا كرامةَ عندهمُ للدَّفاترْ.
وكانتْ سِيَاطُهُمُ فوق جلدي،
وكنتُ أظنُّهُمُ
مَلجَئي
يومَ طالَ عذابي
وأنَّهمُ مَرهماً لاستلابي،
وأنَّهمُ موطناً لا اغترابي...
ولكنْ وَهِمتُ!
وما دُرتُ يوماً عليهمْ ببَالٍ،
وما حَسَبوا مِن غبائي حِسَابي!