يَا شَامُ، هَلْ أَشْرَقَتْ عُيُونُكِ حُلْمَاً
أَمْ أَنَّ فِيكِ مَعَ الْمُدَامِ شَقَاءُ
قُمْنَا نُعِيدُ الْمَجْدَ رَغْمَ طُغَاتِهِ
وَنُعِيدُ مَا انْدَثَرَتْ بِهِ الْأَضْوَاءُ
مِنَّا خَرَجْنَا نَبْتَغِي حُرِّيَّةً قَدْ
طَالَهَا بِالظُّلْمِ مَنْ لَا رَجَاءُ
فِي لَيْلِكِ الْأَسْوَدِ اشْتَعَلَتْ كَرَامَةٌ
مَا كَانَ يُطْفِئُ نَارَهَا الْأَعْدَاءُ
صَاحَتْ حَنَاجِرُنَا كَأَنَّ صَهِيلَهَا
بَرْقٌ يُشِعُّ وَفِي الْقُلُوبِ عَنَاءُ
يَا مَنْ تَسَامَى فَوْقَ عَرْشِكَ ظَالِمًا
هَا نَحْنُ جُنْدُكَ حَيْثُ كَانَ الْبَلَاءُ
سَحْقًا لِطَاغِيَةٍ تَجَرَّعَ مَوْتَهُ
فَالظُّلْمُ يُبْتَرُ حَيْثُ حَلَّ جَزَاءُ
أَيْقَظْتَ فِي أَرْوَاحِنَا زَلْزَالَهَا
حَتَّى تَزَلْزَلَ فِي الْجَحِيمِ بَقَاءُ
فِي كُلِّ شِبْرٍ ثَائِرٌ مُتَلَهِّبٌ
يَسْرِي بِهِ لِلْمَجْدِ مَا لَا يُرَاءُ
صَاحَتْ حُرُوفُ الْحَقِّ تُشْعِلُ حُلْمَنَا
وَتَهِيمُ مِنْ وَجَعِ الْقُلُوبِ دِمَاءُ
سَطَعَتْ بُيُوتُ الظُّلْمِ بَيْنَ دُخَانِهَا
وَاسْتَيْقَظَ الشَّعْبُ الَّذِي لَا يُسَاءُ
نَادَى الْفَتَى وَالشَّيْخُ وَالْأَطْفَالُ
فِي زَحْفٍ تَزَلْزَلَ مِنْهُ كُلُّ عِدَاءُ
لَا خَوْفَ بَعْدَ الْيَوْمِ مِنْ طُغْيَانِكُمْ
فَالْحَقُّ يَعْلُو حَيْثُ كَانَ إِبَاءُ
قُمْنَا نُزَلْزِلُ صَمْتَ هَذَا الْكَوْنِ فِي
حَشْدٍ تَسَاوَتْ فِيهِ تِلْكَ الدِّمَاءُ
وَالنَّارُ تُشْرِقُ مِنْ بُيُوتِ شَهِيدِنَا
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ لَهُ إِهْدَاءُ
فَالظُّلْمُ أَعْمَى وَالطُّغَاةُ غُرُورُهُمْ
فَوْقَ الْعُرُوشِ أَذَابَهُمْ إِقْصَاءُ
وَالْمَجْدُ يَرْقُبُ شَعْبَنَا بِثَبَاتِهِ
وَيَقُولُ: إِنَّ الْحَقَّ لَا يُشْتَرَاءُ
مِنْ شَامِنَا قَامَتْ مَوَاكِبُ حُرَّةٍ
لَا يَنْثَنِي عَنْ حَقِّهَا الْأَوْفِيَاءُ
لَا السَّيْفُ يُرْهِبُنَا وَلَا غَدْرُ الْعِدَا
فَنَحْنُ مِنْ كُلِّ الْفِدَاءِ دِمَاءُ
شُقَّ الدُّرُوبَ لِنَصْرِنَا يَا خَافِقًا
فَاللَّيْلُ يُطْفِئُهُ النَّهَارُ الْوَضَّاءُ
هَبَّتْ رِيَاحُ الْحَقِّ تَشْتَعِلُ الرُّؤَى
وَتُزِيلُ عَنْ وَجْهِ الظَّلَامِ غِطَاءُ
قَامَتْ جُمُوعُ الشَّامِ تَصْرُخُ فِي الدُّجَى
وَتُرَدِّدُ الْأَصْوَاتُ: كَيْفَ بَقَاءُ؟
هَذِي الرُّبُوعُ غَدَتْ تُقَاوِمُ بَطْشَهُمْ
وَيُحَطِّمُ الْجُدْرَانَ فِيهَا الدَّاءُ
يَا شَامُ، يَا أُمَّ الْأَبَاةِ، إِذَا هَوَى
صَوْتُ الْجَلَّادِ فَالنُّجُومُ ضِيَاءُ
كَمْ طَارَدُوا الْأَحْرَارَ فِي سَاحَاتِهِمْ
فَكَتَبْنَ فِي الدَّمِ الْحَرِيَّةَ بَهْجَاءُ
لَا تَحْسَبُوا نَارَ الطُّغَاةِ مُهَيْمِنًا
إِنَّ الطُّغَاةَ لَهُمْ يَكُونُ فَنَاءُ
فِي كُلِّ دَارٍ، بَيْنَ أَصْدَاءِ الْجُرُوحِ
تُزْهِرُ مِنْ رَحْمِ الْحَرَائِرِ مَاءُ
مَا زَالَ نَبْضُ الْحُرِّ يَصْدَحُ رَافِضًا
كُلَّ الظُّلُومِ، وَيُزْهِقُ الْبُغَضَاءُ
فَالشَّامُ تُعْلِي صَوْتَهَا وَإِبَاءَهَا
وَالنَّصْرُ آتٍ، مَا يُجِيبُ نِدَاءُ
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ تَئِنُّ حِكَايَةٌ
تَرْوِي لِكُلِّ الْأَصْفِيَاءِ بَلَاءُ
هَذِي الدِّيَارُ غَدَتْ كَمَا حَرْفٍ بَكَى
وَالْجُرْحُ فِي الْأَحْشَاءِ كَيْفَ شِفَاءُ؟
أَيْنَ الطُّفُولَةُ وَالْأَغَانِي بَيْنَنَا؟
مَاتَتْ فَيَاسَمِينُ الشَّامِ صِبَاءُ
نَزَفَتْ رُبُوعُ الشَّامِ دَمْعًا حَارِقًا
وَتَهَاوَتِ الْآمَالُ كَيْفَ بِنَاءُ؟
لَكِنْ تَرَى فِي كُلِّ دَمْعٍ شَامِخٍ
نَبْضًا يُلَمْلِمُ فِي الْمَسَاءِ ضِيَاءُ
إِنَّ الصَّبَاحَ، وَلَوْ تَأَخَّرَ طُلُوعُهُ
لَا بُدَّ يَأْتِي، فَالشُّرُوقُ جَزَاءُ
فَاصْبِرْ يَا شَامُ، فِي دِمَاكِ عِزَّةٌ
تُزْهِرُ، وَالنَّصْرُ الْوَثِيقُ إِبَاءُ
مِنْ رَحْمِ هَذَا الْجُرْحِ يَأْتِي مَجْدُنَا
وَتَسِيرُ فِي الْأُفْقِ النُّجُومُ لِوَاءُ
يَا شَامُ، قُمْتِ وَكُلُّ دَارٍ بَيْنَنَا
تُهْدِي إِلَى الْحُرِّيَّةِ الْإِضْيَاءُ
تِلْكَ الرُّؤُوسُ الشَّامِخَاتُ رَفِيعَةٌ
تَسْتَقْبِلُ الْإِعْصَارَ وَهْوَ خَفَاءُ
وَالشَّامُ تَكْتُبُ فِي الْكَتَائِبِ سِيرَةً
أَنْ لَا يُذِلَّ الْحُرَّ قَوْلُ جَفَاءُ
كَمْ بَاتَ جَيْشُ الظُّلْمِ يَرْتَعِشُ الْهَوَى
حِينَ انْطَفَى فِي عَتْمِهِ الْأَعْدَاءُ
هَذِي الدِّيَارُ سَتَبْقَى أُمًّا حُرَّةً
لَا يَكْسِرُ الْأَحْرَارَ فِيهَا عِدَاءُ
فَالنَّصْرُ مَكْتُوبٌ عَلَى أَحْجَارِهَا
وَالتَّاجُ فِي جَبِينِهَا الْوَفَاءُ
يَا ثَوْرَةً غَسَلَتْ بِدَمْعِ شُهَدَائِهَا
وَجْهَ الْحَقِيقَةِ فَاسْتَبَانَ ضِيَاءُ
قَدْ كُنْتِ فِي وَهَجِ الْقَتَامِ مَنَارَةً
لِلْحَقِّ يَهْدِي فِي الدُّجَى السَّرَاءُ
بَشَّارُ كَمْ أَوْغَلْتَ فِي تَرْهِيبِنَا
وَمَلَأْتَ أَرْضَ الشَّامِ بِالْجُرْحَاءِ
كَمْ قَرْيَةٍ أَحْرَقْتَ نَبْضَ نِسَائِهَا
وَصَبَبْتَ فِي أَحْشَائِهَا الْبَلْوَاءُ
يَا مَنْ بَنَيْتَ الْمَجْزَرَاتِ مَعَالِمًا
حَتَّى غَدَتْ بِفَنَائِنَا الْأَشْلَاءُ
لَكِنْ حُطَامُ الشَّامِ يَسْبِقُ خَطْوَكَ
وَالنَّصْرُ يَزْهُو رَغْمَ مَا تَسْعَاءُ
مَا أَحْرَقَ الْأَعْدَاءُ مِنْ أَحْلَامِنَا
إِلَّا وَأَنْبَتَ حُلْمُنَا الْإِبَاءُ
صَبْرًا دِمَشْقَ، وَكُلَّ أَرْضٍ حُرِّقَتْ
فَاللَّهُ يَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ الدَّاءُ
سَيَأتِي يَوْمٌ لِلْكَرَامَةِ نَاصِعٌ
تُرْجَى فِيهِ أَفْرَاحٌ وَيَنْجَلِي الْبَلَاءُ
سَقَطَ الطُّغَاةُ كَمَا يَسْقُطُ الْوَرَقُ
فِي الْخَرِيفِ إِذَا جَفَّتْ لَهُ الْأَعْنَاءُ
هَامَ الطُّغَاةُ بَيْنَ مَحَافِلِ رُعْبِهِمْ
وَأَتَاهُمُ بَطْشُ السُّيُوفِ فَنَاءُ
بَشَّارُ، مَا زَالَتْ يَدَاكَ تُقَلِّبُ الْ
مَجَازِرَ حَتَّى عَافَكَ الْأَحْيَاءُ
لَكِنْ أَتَاكَ الْقَوْمُ كَالطُّوفَانِ يَجْ
تَاحُ الظَّلَامَ وَيَسْحَقُ الْبُغَضَاءُ
فَرَّ الْجَبَانُ كَمَا تَفِرُّ حَشِيشَةٌ
مِمَّا تَدُكُّ جِذَاعَهَا الْأَنْوَاءُ
بَاعَ الْجَبَانُ عِزِيفَ مَوْتِهِ خَوْفًا
فَمَاتَ فِي هَرَبٍ يَحُوطُهُ الدَّاءُ
يَا شَامُ، يَا مَلِكُ الْكَرَامَةِ، كَمْ غَدَتْ
حُرًّا رُبُوعُكِ بَعْدَ مَا أُزْهَاءُ
النَّصْرُ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ دُونَ دَمْعَةٍ
أَوْ دُونَ جُرْحٍ غَارَ فِيهِ عَزَاءُ
يَا شَامُ، قَدْ رَفَعَتْ جِبَالُكِ رَأْسَهَا
وَتَهَلَّلَتْ فِي أَرْضِكِ الْوُجْهَاءُ
أَتَتِ السَّنَابِلُ تُزْهِرُ فِي رُبُوعِنَا
وَتُسَابِقُ النُّجْمَ الْعَلِيَّ رَجَاءُ
سُورِيَّةُ الْحُرِّيَّةِ، أَنْتِ نَشِيدُنَا
وَالطِّيبُ يَفْتَحُ زَهْرَهُ الْوَضَّاءُ
هَذَا هُوَ الْوَطَنُ الَّذِي أَحْيَاهُ دَمُ
شُهَدَائِنَا، فَالنُّورُ فِيهِ بَهَاءُ
لَا الْحَقُّ يُطْفَأُ وَهْجُهُ بِمَكِيدَةٍ
أَوْ تَسْتَبِينُ لِلضَّلَالِ سَبَاءُ
قَدْ قُلْتُ يَوْمًا: يَا طُغَاةُ، مَصِيرُكُمْ
مَا كَانَ إِلَّا لِلْعُقُولِ بَلَاءُ
فَاللَّهُ أَعْلَى صَوْتَنَا فِي دَارِكُمْ
وَأَذَاقَكُمْ بِالنَّارِ مَا يَشْقَاءُ
وَالنَّصْرُ آتٍ بَيْنَ عَيْنَيْ أُمَّةٍ
كَانَتْ تُقَاوِمُ وَالطُّغَاةُ بَلَاءُ
وَالشَّامُ تَسْطُرُ لِلْخَلَائِقِ مَجْدَهَا
فِي كُلِّ سَاحٍ يُرْفَعُ الْبَنَّاءُ
فَارْقُصْ عَلَى أَطْلَالِ نَصْرِكِ، وَاهْتِفِي
يَا شَامُ، هَذَا النَّصْرُ وَالْأَبْنَاءُ
هَكَذَا خُتِمَتْ مُعَلَّقَتِي فِي نَشْوَةٍ
وَكَأَنَّ نَبْضَ الشِّعْرِ فِيهِ وَلَاءُ
إِنْ كَانَ مَنْ قَبْلِي تَفَنَّنَ فِي الْهَوَى
فَالشِّعْرُ عِنْدِي لِلْوَطَنْ إِبَاءُ
وَأَنَا ابْنُ شَامِ الْعِزِّ أَكْتُبُ نَصْرَهَا
وَيَكُونُ خَتْمُ الْمُعَلَّقَاتِ ثَنَاءُ