يا رعى اللهُ ليلةً في حياتي
حملتْني إلى الزمانِ البعيدِ
أذكرَتْني ماضي القرون وعهدًا
فاتنَ الحسنِ من عهودِ الجُدود
عاد زِرْيابُ وابن زيدونَ فيها
والجوارِي - من بعد بعثٍ جديد
هذه جنةٌ - كما حدَّثونا
كيف ضاعتْ - ولم تجد مِن مُعيد
يا رفاقي تأملوا كلَّ شبرٍ
وتملَّوْا من الجمال الفريد
البساتينُ والأزاهرُ والأن
هارُ والقصرُ في ظلالِ الورود
والمروجُ الحِسانُ في رائع الزِّي
نةِ تبدو من كلِّ صنفٍ نضيد
ها هنا الآسُ والقَرَنفُلُ والنِّس
رينُ فوّاحةٌ، بكلِّ وصيد
وهناك الوادي الكبير يُغنِّي
بالنَّميرِ المصفِّقِ العِرْبيد
والسواقي - والماءُ فيها لُجينٌ -
كضياءٍ من الصباح الجديد
يا لها ليلةً إلى الفنِّ تُنمَى
وإلى الشعرِ والغِنا والقصيد
عاد فيها «زريابُ» يعرِضُ فنّاً
حضنَتْه الخضراء حضْنَ الوليد
جاء يستعرضُ العصورَ ويُحيي
ما طوَتْه من التراث التَّليد
في صبايا وفي شبابٍ غريرٍ
فاق بالحسنِ والجمالِ الفريد
ورجالٌ أعزَّةٌ من بلادي
طلعوا ها هنا نجومَ سُعود
والحبيبُ العظيمُ واسطةُ العقْ
دِ وقطبُ الإجلالِ والتمجيد
ليلةٌ عشتُها فما ضرَّ أني
لم أعِشْها في سالفاتِ العهود
نصبُوها موائدًا وأقاموا
مجلسَ الرقصِ حَذْوَ نهرٍ مديد
قد أحاطتْ به الأزاهِرُ ألوا
نًا حِسانًا من كلِّ صنفٍ فريد
وغدا القوم حافلين سرورًا
في غناءٍ وبهجةٍ ونشيد
من شبابٍ يتيهُ عزّاً وفخرًا
بين شدْوِ الهوى وعيشٍ رغيد
وعذارى مثلَ اللآلئ حُسنًا
تتهادى في قدِّها الأُمْلود
ينهبُ الطَّرْفُ حسنَها وهْي تعطو
لِهواها كمثْلِ ظبيٍ شرود
وهناك العقائلُ البيضُ تسعى
بين خَزٍّ وبين وَشْيِ بُرود
حالياتِ اللَّباتِ بالجوهر النا
دِرِ واللؤلؤِ النفيسِ الفريد
لا بساتٍ من الشُّفوفِ لِباسًا
يصفُ الخصْرَ واهتزازَ النهود
ثم قامتْ للرقص ثَمَّ عذارى
في صفوفٍ بديعةِ التنضيد
عازفاتٍ على المزاهرِ أنْغا
مًا عِذابًا يصحبْنَها بالنشيد
ضارباتٍ على الأكفِّ صُنوجًا
كَسَنا البرقِ في فضاءٍ مديد
مُقبلاتٍ وتارةً مُعرضاتٍ
يتوَّعَدْنَ بالجَفا والصُّدود
كلُّ حسناءَ كالشهابِ سناءً
وبهاءً أو كابتسامِ الورود
تنهلُ العينُ حسنَها وصِباها
ثم تحيا في حُسنها المعبود
صاغَها الله فتنةً ونشيدًا
يتغنَّى بسحْرِ هذا الوجود
هي ذكرى تعودُ من بعد عامٍ
أَتُراني أعيشُها من جديد؟
يا حنيني لمثلِها، فهْي حسبي
من زماني وعمرِيَ المجْدود
إن تعُدْ لي يَعُدْ إليَّ شبابي
وتفيَّأتُ ظلَّ عيشٍ سعيد