مقاطع من
قصيدة طويلة
على السُّهولِ التي تمتدُّ في لغتي
ما زال ينمو معي عنقودُ موهبتي
ما للقصائدِ من حَدٍّ لأختمَها..
يفنَى خيالي ولا تفنَى مُخَيَّلَتي!
في صِحَّةِ (الشِّعرِ).. ألوي من زجاجتِهِ
جيداً، وأسكبُ (تشبيهي) و(توريتي)
لي خمرةٌ شابهتني في غوايتِها
من (تاءِ تأنيثِ)ها استوحيتُ قافيتي
كأنَّني - والحُمَيَّا حين تُرْعِشُني-
عَلِقْتُ ما بين أسلاكٍ (مُكَهْرَبَةِ)!
أغتالُ نشوةَ كأسي حين آنَسُها
تُرغي بخمرةِ أسلافي على شفتي
عُذرُ (المذنَّب) إذْ يعصي مجرَّتَهُ
عُذري لأُولدَ من أحشاءِ معصيتي
مضَى أبي وتَبَقَّتْ لي وَصِيَّتُهُ:
كُنْ كامرئِ القيسِ واخلدْ في (مُعَلَّقَةِ)!
كُنْ صورةَ الحزنِ في (السَّيَّابِ) منطفئًا
كالليلِ يبكي على (عمياءَ مومسةِ)!
لا تُشْقِنِي يا أبي.. لا تُعْطِنِي شَفَةً
أشدو بها.. لا تَلِدْني عبر أُغنيتي
لا تَسْتَعِدْ لي مشاويراً وأرصفةً..
إنِّي ابتكرتُ مشاويري وأرصفتي
يرقى بِيَ الوَرَقُ العالي على دَرَجٍ
من البياضِ إلى آفاقِ مملكتي
للمفرداتِ لحاءَاتٌ أُقَشِّرُها
على يَدَيَّ وأحيا عُرْيَ مفردتي!
ما أتعسَ الغصنَ حظاًّ حين تفطمُهُ
فأسٌ ويكبرُ في أحضانِ مقلمتي!
طيرُ النبوءةِ لم يبرحْ يُشَبِّهُ لي
في الحُلْمِ أَنِّيَ مخلوقٌ بأجنحةِ!
وحدي ولكنْ أُشَظِّي وحدتي بَشَراً
فيلتقي في فؤادي كونُ أفئدةِ!
صَلَّيتُ للخلقِ.. كلِّ الخلقِ.. واتَّسَعَتْ
لِماَ وراء خطوطِ الطولِ، صومعتي!
همسُ النسيمِ.. خريرُ النَّهْرِ.. زغردةُ ال
عصفورِ.. هذي ترانيمي وأدعيَتي
ورُبَّما سجدةٌ تكفي لِتُلْهِمَني
أنَّ السماواتِ باتَتْ تحتَ ناصيتي
في قلبيَ الكُرَةُ الأرضيَّةُ امَّسَحَتْ
من الخطوطِ فقلبي وحدةُ الكُرَةِ!
حُبًّا لهذا الثرى.. حُبًّا يُمانعُني
أنْ أهتدي بنجومٍ غيرِ مُوحِلَةِ!
الحبُّ يشهدُ أنِّي في وثائقِهِ
أسجِّلُ الأرضَ من أفرادِ عائلتي
(واوُ المعيَّةِ) لا تكفي لِتُوصِلَني
بالخلقِ أروعَ ما في الحبِّ من صِلَةِ
الحبُّ يحتاجُ (أفعالاً مضارعةً)
(مرفوعةً) بمعاناتي وتضحيتي
الحبُّ يحتاجُ (حبراً) لا تُطاوِعُهُ
كفَّاهُ في قطعِ شريانٍ بِ(فاصلةِ)
الحبُّ يحتاجُ وقتاً لا يُقاسُ بِهِ
يومٌ يفوتُ بيَومٍ بعدُ لم يَفُتِ
والحبُّ ما الحبُّ في هذا الزمانِ سوى
جَرْوٍ قضَى نزهةً في كفِّ سَيِّدَةِ!
(بضعٌ وعشرونَ).. فَصَّلتُ الجناسَ لها
تفصيلَ (زِيٍّ) على أعطافِ (عارضةِ)
أهديتُ للرَّمزِ طربوشاً يُظَلِّلُهُ
وما بخلتُ على المعنَى بِقُبَّعَةِ
ذاتي إذا ما نَأَتْ مقدارَ قافيةٍ
عنِّي، دَنَوْتُ إليها قابَ نَرْجِسَةِ!
يأبىَ لِيَ الفَنُّ أنْ آوي إلى حَجَرٍ
ما لم أُغاَدِرْهُ مسكوناً بِلُؤْلُؤَةِ
لا أدَّعي الوحيَ عُلْوِيَّ المدَى، فأنا
لم أنتسبْ لِسماءٍ غير جمجمتي
(بضعٌ وعشرونَ) سهماً كنتُ أطلقُها
صوبَ الحقيقةِ من أقواسِ أسئلتي
والشكُّ فردٌ وحيدٌ لا نصيرَ لهُ
يلوي بميمنةٍ مِنِّي، وميسرةِ
ليتَ اليقينَ الذي طالَتْ أظافرُهُ
يَحُكُّ ما لم أَطَلْ من ظَهْرِ وَسْوَسَتي!
في خارجي ألفُ حربٍ قادَها بَشَرٌ
وداخلي ألفُ حربٍ بين آلهةِ
لو كان للسَّهمِ أنْ يرتدَّ ثانيةً
حَطَّمتُ قوسي وما كَرَّرتُ معركتي!
عدالةُ الريحِ في توزيعِ ثروتِها
تُغري بِأَنْ أَتَمَنَّى الريحَ مقبرتي!
حسبي من الغيبِ دربٌ كنتُ أقطعُهُ
من المشيئةِ حتَّى كفِّ قابِلَتي
عَبَرْتُ بالنَّهْرِ مخفوراً فأَوْقَفَني
في الضِّفَتَينِ على مَهْدٍ وشاهِدَةِ!
بئسَ (العبورُ)! نَزَفْتُ (الأربعينَ) لهُ
وما أَزاَلُ أُوَفِّي أَجْرَ (تذكرتي)
لا حبلَ أعقدُ آمالَ النجاةِ بهِ
إذا الهُوِيَّةُ أَضْحَتْ (بئرَ) هاويتي
(بضعٌ وعشرونَ).. أمشي في مناكبِها
مشيَ العواصفِ إذْ فَوْضايَ خارطتي
فما ائتلقتُ ولوني لونُ سنبلةٍ !
وما اهتديتُ وطولي طولُ مئذنةِ!
مُزَمَّلٌ في مزاجِ الريحِ حيث دمي
لا يحتفي بجِيادٍ غيرِ نافرةِ
هذي تضاريسُ روحي لوْ تَسَلَّقَها
وَعْلٌ لعاَدَ بِأقدامٍ مُجَرَّحَةِ
لا يعرفُ النَّاسُ منِّي غيرَ حنجرةٍ..
يا ليتَهُمْ عَرِفوا ما خلف حنجرتي!
أنا الجمالُ الذي عيناهُ تُنكِرُهُ..
هل بعد ذلك للنُّكرانِ من سَعَةِ؟!
حقلٌ ولكنْ تَخَلَّتْ عنهُ غابتُهُ
فجَفَّ من لَمَعاَنِ القمحِ والذُّرَةِ
سكنتُ إسمي فكان الإسمُ لِي وَطَناً
ولم أغادرْهُ منفياًّ إلى صِفَتي
لا تنسبوني إلى (البئرِ) التي اشْتَرَكَتْ
في ظُلْمِ (يوسفَ).. لا تستغفلوا (أَبَتِي)!
لا تبحثوا وَسْطَ (رحلي) عن مآربِكُمْ..
فما هناكَ (صواعٌ) بين أمتعتي
بلى..(شماغي) دماغي لستُ أنزعُهُ
من فرط ما اتَّحَدَتْ رأسي و(أشمغتي)
يا (إخوةَ) القلبِ.. لم أبرحْ أُعَوِّذُكُمْ
في الحبِّ أنْ تخلطوا مِلْحاً بِسُكَّرَةِ
إنِّي صفحتُ.. فلا تستنهضوا سَبَباً
يسعَى إليَّ على أقدامِ معذرةِ
ما كان (يوسفُ) أحلىَ في وسامتِهِ
من الوسامةِ في صَفْحي ومغفرتي!
يَظَلُّ آخِرَ ما أَشقَى بهاجسِهِ
أنْ يصبحَ الغيبُ سِكِّيناً بخاصرتي
آمنتُ باللحظةِ الحبلَى فشاغَلَني
فردوسُ دنيايَ عن فردوسِ آخرتي
عندي من الزيتِ ما أذكي بهِ قَمَراً
لكنَّني لم أُضِئْ وجهاً لطاغِيَةِ
حسبي من الأرضِ أن ألقَى عناصرَها
تنحلُّ كالعطرِ في أنفاسِ أغنيتي
معي الهواءُ الذي ما مَدَّ لي نَفَساً
إلاَّ ليحرسَ سِرَّ الله في رئتي
معي (الحسينُ) يُماَشيني على دَمِهِ
نحو الخلاصِ ويلوي جيدَ بُوصَلَتي
معي البنفسجُ لم أعبرْ بموسمِهِ
إلاَّ تَوَرَّطْتُ في ذكرىَ بنفسجةِ
معي الطفولةُ ما أنقصتُ حِصَّتَها
-في آخرِ العُمْرِ- من أحلامِ شيطنتي
معي القصيدةُ ما عَرَّيتُ سُرَّتَها
إلاَّ بمقدارِ ما أسقطتُ أقنعتي
لا أدَّعي بغلةَ (الحلاَّجِ) تحملُني
على الطريقِ الذي يُفضي لِ(رَابِعَةِ)
في ألفِ وادٍ رماني الشوقِ ما لَمَحَتْ
عينايَ (ليلى) وكانتْ ملءَ أوديتي
ليسَ الغيابُ غيابًا بل محاولةٌ
من القصيدةِ أن تُغني عن امرأةِ!