خطََّ البكاءُ على الخدودِ مسيلا
وعَدِمْتُ صبْريَ عنْ ربَابَ وعِيلا
يومَ الفُراقِ فلا سقيتَ بمُزْنَةٍ
خلَّفْتني بعدَ الحبيبِ قتيلا
لمّا دنوتُ منَ الدِّيارِ بدا لنا
ربعُ الحبيبةِ دارساً ومَحِيْلا
ناديتُ رسْمَ الحيِّ أينَ ترحَّلوا
فسمعتُ صوتَ حمامةٍ وهديلا
إنَّ التي تهوى فذاكَ غُبارُها
الحقْ بها واستصحبِ التعجيلا
فركبْتُ في أثرِ الحبيبِ كطائرٍ
أرجو إلي منْ قدْ هويتُ وصولا
فرأيتُ منْ بينِ السَّرابِ جمالهم
مثل النَّخيلِ وأطردُ التخييلا
ناديتهم ما لي إليكمْ حاجةٌ
إلاَ التي أصلتْ فؤاديَ ويلا
فقِفوا مطاياكم عليَّ لِبُرهَةٍ
كيما نَبُلّ مِنَ النُّفوس غليلا
فلقيتُ منهم جادلاً وبكفِّه
سيفٌ أراه لحتفنا مسلولا
يا صاحبَ السيفِ الصَّقيلِ ألا ترى
صبَّاً بغيرِ قتالكم مقتولا
فإذا سفكتَ دمي فأنتَ مطالبٌ
ولسوفَ تبعثُ بالدِّماءِ ذحولا
أمَّا النّوى فإذا قتلتُ بنصلها
فأرى دمي عند النّوى مطلولا
صدقَ الذي ذمَّ النَّوى وفعالَها
تركتْ عزيزَ الأكرمينَ ذليلا
لِمَ كلُّ يومٍ في الحياةِ أرى لنا
خِلاًّ يرُوْحُ مُوَدَّعاً منْقولا
حَسَنُ المُحيَّا والمُسمَّى مثلهُ
اسمٌ يشاكلُ فعلَهُ ومقولا
قدْ جارَ دهرٌ حينَ فرقَ بيننا
وبكيتُ بُعْدَكَ بُكرةً وأصيلا
قد غاظ دهريَ حين تمَّ ودادُنا
ورأى ظلال العاشقينَ ظليلا
في ذروةٍ فتلَ الزَّمانُ وغاربٍ
حتَّى تصدَّعَ شَمْلُنا مفلولا
عصرٌ كريمٌ بالمآسيَ باذلٌ
وإذا سألتُ السَّّعْدَ كانَ بخيلا
صبْراً على أمْرِ القَضاء وإنني
أبقيتُ إن جار الزَّمانُ قبولا
فأنا احتسبتك يومَ جئتَ موَدِّعاً
يعطي الإله على المُصابِ جزيلا
نالتْ بمقدمكَ السَّلامَةُ سعْدها
وتركتْ فينا مَدْمَعاً وعويلا
يا ذا الذِّي كسب القلوب بفعله
والنَّاسُ تعلقُ مُحسناً ونبيلا
روَّقتَ نهر العلم لذَّ لناهلٍٍ
أسقيتَ واردة العلوم النيلا
فلكمْ تركتَ بكلِّ دارٍ قارئا
قرأ المُفَصَّلَ رتَّلَ التنزيلا
علمتَ سحْرَ الضَّادِ ناشئةَ التُّقى
ربَّيتَ جيلاً عاملاً وقؤولا
رويتَهمْ شعْرَ العروبة صافياً
هذبتَ منهم أنْفُساً وعقولا
وبَذَرْتَ حبَّك في القلوبِ فأنبتَتْ
زهراً تمايلا غبطةً ونخيلا
وإذا ذكرتك في المجالس مادحاً
أثنى عليك الحاضرون طويلا
لو أنَّ حبَّك للعيونِ مُجسَّمٌ
ألفيتَ شخْصاً باسِماً وجميلا
ما عادَ حبُّكَ في الصُّدور خبيئةً
أعلمتُ حاجَاًَ حلَّلَ التحليلا
فلتعلمِ الدُّنيا ويعلم أهلُها
أنِّي اتخذتُ من الأثير خليلا
ومُحبِّرٌ للشعْرِ صانَ عَمُودَهُ
متتبِّعٌ سُنَنَ القرونِ الأُولى
أهدى إليك من المديح نفيسهُ
دُرَّاً على جيدِ القصيد أصيلا
فارحلْ بجسْمِكَ ما بدا لكَ إنَّهُ
ما زالَ حبُّكَ في القلوبِ نزيلا