سهران بتُّ وقد دنا الفجرُ
فإذا شكوتُ إليكَ لِي عذرُ
أنا مثلُ موجكَ في تقلّبهِ
قَلِقٌ فحالي المدُّ والجزر
ما للنوارسِ أقبلتْ زُمرا
لمّا التجأتُ إليكَ ما الأمرُ
هلْ عنْ بثينةََ عندها خبرٌ
هذي النوارسُ أيّها البحْرُ
فتّشتُ عنها في مواطنها
في البيْدِ لا أثرٌ ولا ذكْرُ
ومضيتُ أبحثُ دونما كللٍ
سيّان عندي السهْلُ والوعرُ
وخُطايَ مِنْ وادٍ إلى جبلٍ
تقتادني ويضلّني الفكرُ
فإذا أنا في القفْرِ ملتحِفٌ
وجْهَ السما ووسادتي الصخْرُ
والبدرُ مِن فوقي أراقبُهُ
وأودُّ لوْ يتكلّمُ البدْرُ
فلطالما فاضتْ مشاعرنا
بطلوعِهِ فشدا بها الشعرُ
وكرمشةِ العين انقضى زمنٌ
وأتى زمانٌ آخرٌ مُرُّ
فمرضتُ أسبوعينِ بعدهما
قد نمتُ نوما طولهُ دهرُ
كمنامِ أهل الكهفِ مثلهمُ
لمْ أدرِ حينَ أفقتُ ما العصرُ
وكأنَّ ما قد عشتُ من عُمُري
حُلمٌ مضى لمّا بدا الفجْرُ
أبصرتُ دنيا غيرَ ما ألفتْ
عيني كما لو مسّني سحْرُ
كانتْ بلادا لستُ أعرفها
مِنْ قبلُ ما عندي بها خُبْرُ
هيَ لمْ تكُنْ وطني الحجاز ولا
شيءٌ يدللُ أنّها مصرُ
بالحزْمِ قدْ عُرفتْ مليكتُها
في الناسِ لا يُعْصى لها أمرُ
فذهبتُ ألتمسُ اللقاءَ بها
قالوا ستأذنُ إنْ مضى شهْرُ
الشهْرُ مرَّ ونلتُ أمنيتي
تمَّ اللقاءُ وضمّنا القصْرُ
أبصرتُ فيها صورة نطقت
لبثينةٍ فانتابني الذعْرُ
فجميعُ ما فيها يُطابقها
الوجْهُ والعينانِ والشعْرُ
نظرتْ إليّ فخلتُ نظرتها
نفَذَتْ إلى ما يضمرً الصدْرُ
وسرتْ بجسمي رعْشةُ عَجَبا
وكأنَّ فيهِ قد سرى القرّ
فهتفتُ إنّي يا بثينةُ مَن
قاسى هواكِ ومسّهُ الضُرُّ
ضحكتْ وردّتْ وهْيَ ساخرة
ماتتْ بثينةُ أيّها الغِرُّ
فسقطتُ مغشيّا عليَّ كمنْ
صرعتهُ أوّلَ شربهِ الخمرُ
وإذا بصوتٍ راحَ يوقظني
انهضْ فعندي يُعرفُ السرُّ
مَلَكُ بثينةُ في السماءِ ثوى
لا لمْ تمُتْ ما ضمّها قبْرُ
هيَ زهْرةٌ علويّةُ وجِدت
مِنْ قبل أنْ يتفتّحَ الزهْرُ
هيَ في الزهورِ جميعها عبقُ
في كلّ منديلٍ لها عطرُ
لكنّ صوتا جاءَ مُعترضا
مِنْ داخلي... ما هكذا الأمرُ
هيَ طينةُ للأرضِ مرجعها
أحببتها فسما بها الفكرُ
أغراكَ شئٌ غير صورتها
فهيَ البراءةُ زانها الطهرُ
فاصدحْ بشعركَ يا جميلُ فما
في الكونِ إلّا الحبُّ والشعْرُ
الحبُّ خمرُ غيرُ خمرتنا
الحبُّ دنيا كلّها سُكْرُ