أَلَا لَيْتَ عَهْدَ الطِّفْلِ لَمْ يَتَهَدَّمِ
وَيَبْقَى عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ مُخَيَّمِ
زَمَانٌ نَقِيٌّ لَا تَشُوبُ صَفَاءَهُ
كَدُورَةُ هَمٍّ فِي الفُؤَادِ مُقَسَّمِ
نَمُرُّ وَأَطْيَافُ البَرَاءَةِ حَوْلَنَا
تَسِيرُ كَنُورِ الفَجْرِ فِي اللَّيْلِ مُعْتِمِ
لَا غِلَّ فِينَا وَلَا الأَذَى مُتَسَلِّطٌ
وَلَا حِقْدُ نَفْسٍ فِي الضُّلُوعِ مُخَيِّمِ
نَرَى القَلِيلَ مِنَ العَطَاءِ كَأَنَّهُ
عَطَاءُ مُلُوكٍ فِي العُيُونِ مُعَظَّمِ
وَنَضْحَكُ حَتَّى تَسْتَفِيقَ جُرُوحُنَا
وَتَمْضِي الدُّمُوعُ كَأَنَّهَا لَمْ تُنْظَمِ
فِي حِضْنِ أُمٍّ كَانَ دِفْءُ وُجُودِنَا
وَبِظِلِّ أَبٍ بَأْسُ المَخَاوِفِ يُقْصَمِ
وَنَرَى الحَيَاةَ كَأَنَّهَا لُعَبُ الصِّبَا
وَلَا خَوْفَ فِيهَا مِنْ مَصِيرٍ مُبْرَمِ
وَالعَيْنُ تَرْضَى بِاليَسِيرِ سَعَادَةً
وَتَرَاهُ بَحْرًا بِالرِّضَا يَتَضَرَّمِ
يَا بَهْجَةَ الأَيَّامِ أَيْنَ تَوَارَتِ
حَتَّى غَدَوْتِ كَخَاطِرٍ لَمْ يُفْهَمِ
كُنَّا نُحِبُّ وَلَا قُيُودَ تُقَيِّدٌ
قَلْبًا يُحَلِّقُ فِي النَّقَاءِ وَيَحْلُمِ
لَا نَعْرِفُ الأَقْنِعَةَ الَّتِي قَدْ أَثْقَلَتْ
وَجْهَ الحَيَاةِ بِزَيْفِهَا المُتَرَاكِمِ
وَالقَلْبُ لَمْ يَحْسِبْ حِسَابَ مَصَالِحٍ
بَلْ كَانَ يَمْضِي فِي الصَّفَاءِ مُقَدِّمِ
حَتَّى إِذَا غَابَ الضِّيَاءُ وَأُطْفِئَتْ
شُمْسُ البَرَاءَةِ فِي السَّمَاءِ وَأُظْلِمِ
صِرْنَا نُعَالِجُ بِالصُّدُورِ جِرَاحَنَا
وَنَعُدُّ مَا مَضَى بِدَمْعٍ مُؤْلِمِ
نَبْكِي عَلَى عَهْدٍ تَبَدَّدَ نُورُهُ
كَالحُلْمِ لَمَّا فِي الرُّؤَى لَمْ يُبْرَمِ
وَنَرَى الزَّمَانَ إِذَا تَجَهَّمَ وَجْهُهُ
يُلْقِي عَلَى الأَرْوَاحِ ثِقْلًا مُظْلِمِ
لَكِنَّ طِفْلَ الرُّوحِ فِينَا لَمْ يَزَلْ
حَيًّا يُنِيرُ الدَّرْبَ لَمْ يَتَكَتَّمِ
يَبْقَى كَسِرٍّ فِي الضُّلُوعِ مُخَبَّأً
يُحْيِي الفُؤَادَ إِذَا الأَسَى لَمْ يُرْحَمِ
فَاحْفَظْ بَقَايَا الطِّفْلِ فِي أَعْمَاقِنَا
فِيهَا الخَلَاصُ مِنَ الشُّقَاءِ المُعْتِمِ
وَاجْعَلْهُ نُورًا فِي الطَّرِيقِ مُرَافِقًا
يَهْدِي الخُطَى إِنْ ضَاقَ دَرْبُ الأَنْجُمِ
وَارْجِعْ إِلَيْهِ إِذَا تَعِبْتَ مِنَ الأَسَى
تَلْقَ السَّكِينَةَ فِي الرُّبَى وَتَنَعَّمِ
فَالطِّفْلُ فِينَا جَوْهَرٌ لَا يَنْطَفِئْ
مَا دَامَ فِينَا مِنْ نَقَائِهِ مَعْلَمِ