ناءٍ تَذَكَّرَ في الهَوى ما ضَيّعا
يَقتاتُ مِن دَربٍ بَدا مُتصدّعا
يُصْغي إذا ذُكرَ الغيابُ كأنّما
يَطْوي على الأشواقِ منهُ أضْلُعا
أينَ الدُروبُ؟ ولستُ أُبْصرُ طَيفَهُ
وجنائنُ الأشواك أمْسَتْ مَضْجَعا
ورسائلُ الذكرى طَوتْها أدْمُعي
في العَين قد خطّتْ ليأسي مَخْدَعا
تَلقاهُ متّكئًا على أوْجاعهِ
يشتاقُ ذكرى علّها أن ترجِعا
فكأنهُ في كلّ ليلٍ يَبتغي
نبأً عن الأحْبابِ فيه أوْدَعا
أمُقسّمَ الأحزان! كفُّكَ لم تَدَعْ
حزنًا من الأحزان إلاّ جمّعا
يا أيّها النائي، رُوَيدكَ خافقي
ألقى بهذا النأي بعْدكَ مَصْرعا
ليتَ الدُروبَ تُعيدُ في قَلبٍ ثَوى
رُوحًا، وتبعثُ خافقًا قد شُيّعا
تَفديهِ نَفْسي إنْ أتاني ساقيًا
كأسًا ألذُّ منَ المُدامةِ مُترَعا
ما حدّثتني نبْضَتي شيئًا سِوى:
"أهوى الذي عَن غيرهِ لنْ أطْمعا"
حَتى إذا ما البُعدُ شَمّرَ وَانثنى
عنّا، وذاكَ الدَربُ أقبلَ مُسْرعا
فضَمَمْتهُ، وَالقلبُ يَشكو لَوعةً:
يا ليتَهُ عَن دَربِنا ما وَدّعا...