بَاسِمِ الحُسْنِ ابْتَدَأتُ اليَوْمَ شِعْرِي
وَبِشَوْقٍ صِيغَ مِنْ دَمْعٍ وَذِكْرِ
يَا قَصِيدِي، طُفْ بِ "سَارَة" فِي خُشُوعٍ
وَانْثُرِ الأَزْهَارَ فِي دَرْبٍ وَعِطْرِ
أَنْتِ مِعْرَاجِي إِلَى دُنْيَا الخَيَالِ
وَبِكِ الأَيَّامُ تَزْهُو بَعْدَ مُرِّ
فَاسْمَعِي مَا خَطَّهُ "الرَّحَّالُ" وَجْداً
فِي مَقَامِ الحُبِّ، بَلْ فِي نَخْبِ صَبْرِي
فِتْنَةُ العَيْنَيْنِ نَصْلٌ مِنْ مَضَاءٍ
وَالرُّمُوشُ الجُنْدُ فِي حَرْبٍ وَكَرِّ
كَمْ سِهَامٍ مِنْ لِحَاظِكِ أَرْسَلَتْهَا
نَحْوَ قَلْبِي، فَارْتَمَى فِي أَسْرِ ثَغْرِ
سَاهِدُ الأَجْفَانِ يَرْنُو فِي ذُهُولٍ
كَيْفَ صَارَ السِّحْرُ طُوفَاناً لِفَجْرِ؟
لَحْظُ عَيْنَيْكِ اشْتِيَاقٌ مُسْتَبِدٌّ
لَا يَرُدُّ المَوْتَ عَنْ صَبٍّ وَذُخْرِ
لَوْ تَبَدَّى وَجْهُهَا لِلْبَدْرِ يَوْماً
لَاسْتَحَى المَحْرُومُ مِنْ نَقْصٍ وَضُرِّ
وَالجَبِينُ الصُّبْحُ يَلْهُو فِي سَنَاهُ
نُورُ طُهْرٍ خَطَّهُ البَارِي بِسَطْرِ
صَاغَكَ الرَّحْمَنُ حُسْناً كَيْ تَمِيدِي
مِثْلَ شَمْسٍ أَشْرَقَتْ فِي لَيْلِ قَهْرِ
أَنْتِ وَجْهُ السَّعْدِ فِي دَهْرٍ عَبُوسٍ
جَلَّ مَنْ أَهْدَاكِ لِلْعُشَّاقِ بَدْرِي
وَعَلَى الخَدَّيْنِ وَرْدٌ قَدْ تَبَاهَى
سَاقَهُ العُشَّاقُ مِنْ قَانٍ وَخَمْرِ
خَدُّكِ المَصْقُولُ جَمْرٌ فِي ضِيَاءٍ
يَحْرِقُ الأَرْوَاحَ فِي نُورٍ وَبِشْرِ
وَالأُنُوفُ الشُّمُّ آيَاتٌ لِكِبْرٍ
نُحِتَتْ مِنْ مَرْمَرٍ فِي كَفِّ حُرِّ
قَدْ عَلا الوَجْهَ شُمُوخاً وَدَلَالاً
بَاذِخَ الوَصْفِ نَقِيّاً مِثْلَ تِبْرِ
كُلَّمَا نَطَقَتْ بِلَحْنٍ مِنْ لَمَاهَا
أَسْكَرَتْ لُبِّي بِنَطْفٍ مِنْ دُرَرِّ
لَفْظُهَا السَّلْسَالُ عُزَّافٌ بِنَبْضِي
يَنْفِثُ التَّرْنِيمَ فِي رَوْحِي وَفِكْرِي
وَالثَّنَايَا لُؤْلُؤٌ فَوْقَ العَقِيقِ
شَهْدُهَا المَعْسُولُ يُغْنِي عَنْ نَهَرْ
فَمُهَا المَرْسُومُ رَيْحَانٌ تَهَادَى
يَبْعَثُ الأَنْفَاسَ مِسْكاً طَيَّ صَدْرِي
جِيدُهَا كَالمَرْمَرِ الصَّافِي شُمُوخاً
طَالَ حَتَّى قِيلَ: هَذَا فَرْعُ مِصْرِ
رَقَبَةٌ كَالرِّيمِ فِي تَلْعٍ تَثَنَّى
زَانَهَا العِقْدُ بِيَاقُوتٍ وَجَهْرِ
مَلْمَسُ الجِيدِ نَعِيمٌ لَا يُضَاهَى
قَدْ حَكَى لِلثَّلْجِ عَنْ دِفْءٍ وَسِحْرِ
شَاهِقُ الرِّفْعَةِ كَالنَّخْلِ اعْتِلَاءً
فِيهِ آيَاتٌ مِنَ الإِبْدَاعِ تَسْرِي
وَالجَدَائِلُ اللَّيْلُ شَلَّالاً تَهَادَى
مَوْجُ كُحْلٍ فَوْقَ أَكْتَافٍ وَنَحْرِ
كُلُّ خُصْلٍ مِنْ سَوَادٍ قَدْ كَسَاهَا
مِثْلَ غَيْمٍ رَاحَ يَمْشِي فَوْقَ بَدْرِ
شَعْرُهَا الدَّاجِي قُيُودٌ مِنْ سَرابٍ
أَوْثَقَتْ عُمْرِي بِلَا قَيْدٍ وَأَصْرِ
يَا سَوَادَ العِشْقِ، لَا تَرْحَلْ سَرِيعاً
أَنْتَ سِتْرُ الحُسْنِ فِي سَاعَاتِ جَزْرِ
وَالقَوامُ الغُصْنُ مَيَّاداً دَلَالاً
هَزَّ أَرْكَانَ المَدَى فِي لِينِ خَصْرِ
خَصْرُهَا المَنْحُولُ سِرٌّ لَا يُبَاحُ
دَقَّ حَتَّى ضَاقَ عَنْ تَعْبِيرِ حِبْرِي
إِنْ مَشَتْ، قَالُوا: قِيَامَاتٌ أُقِيمَتْ
أَوْ رَنَتْ، خَرُّوا لَهَا فِي طَوْعِ أَمْرِ
هَيْبَةُ المِشْيَةِ إِيقَاعٌ رَصِينٌ
يَرْجُفُ الأَرْضَ بِخَطْوٍ فِيهِ كِبْرِي
غُنْجُهَا سِحْرٌ حَلَالٌ، وَدَلَالٌ
قَدْ سَبَى "الرَّحَّالَ" فِي قَفْرٍ وَبَحْرِ
تَتَثَنَّى فِي غُرُورٍ مُسْتَحَبٍّ
فَيَصِيحُ الوَجْدُ: يَا لَهْفِي وَإِصْرِي
يَا مَلَاكاً صَاغَهُ الرَّحْمَنُ فِتْنَة
حُزْتِ عَرْشَ الحُسْنِ فِي جَهْرٍ وَسِرِّ
سَارَةُ الدُّنْيَا، وَأَنْتِ الرُّوحُ فِيهَا
لَا أَرَى غَيْرَكِ طُولَ المَدَى يَجْرِي
قَدْ نَظَمْتُ الحُبَّ عِقْداً مِنْ لآلٍ
فَوْقَ كَفِّ الطُّهْرِ فِي نُورٍ وَأَجْرِ
لَا تَلُومُوا القَلْبَ إِنْ هَامَ بَ "سَارَة"
فَالشَّذَا فِيهَا غَدَا نِبْرَاسَ عُمْرِي
خَتْمُ قَوْلِي: مَنْ حَوَى مِثْلَكِ يَوْماً
مَلَكَ الأَكْوَانَ فِي عِزٍّ وَفَخْرِ
فَلْيَدُم حُسْنُكِ لِلرَّحَّالِ ذُخْرًا
مَا بَدَا الفَجْرُ وَمَا غَنَّى بِشِعْرِ